الخزانة الزكية: كيف تُبنى المكتبات العظمى؟
محمود بن عبد الفتاح النحال
مجموعة المخطوطات الإسلامية
قد يدهش القارئ أن يسمع عن رجل أفنى عمره في جمع الكتب، ثم يعترف في ساعة ضجر أنه تمنى لو ابتلعتها الأرض أو جاءت نار فأحرقتها، ثم يذكر أنه كان يستغفر الله من هذه الخاطرة.
وليس في ذلك زهد في العلم، وإنما اعتراف بثقل مشروع استغرق عمرًا كاملًا؛ إذ إن اقتناء الكتب أيسر من القيام بحقوقها، وصيانة المكتبة أصعب من إنشائها.
وتكشف الخزانة الزكية عن منهج يجاوز مجرد جمع الكتب؛ فهي تمثل نموذجًا لطريقة تكوُّن المكتبات الخاصة الكبرى في العصر الحديث.
فلم تنشأ الخزانة كتابًا بعد كتاب على الصورة المألوفة، وإنما تكون جانب كبير منها بضم مكتبات كاملة إلى مشروع واحد. فقد كان أحمد زكي باشا يتتبع خزائن العلماء والأعيان، فإذا ظفر بإحداها اقتناها بأجمعها، فدخلت في خزانته مكتبة البرنس محمد إبراهيم، وخزانة جبرائيل بك المجلع، ومكتبة محمد بك واصف، وغيرها من المكتبات الخاصة. ولم يكن بذلك يضيف مجلدات إلى رفوفه، وإنما كان يضم إلى مشروعه حصيلة أعمار كاملة من الجمع والاختيار.
ولم يكن هذا المنهج ثمرة سعة في المال، بل ثمرة تضحية به. فقد أنفق الأموال في سبيل اقتناء النوادر، وبلغ به الشغف أن باع بعض أطيانه وعقاراته ليظفر بمكتبة أو نسخة رآها جديرة بالحفظ. وتدل هذه التضحية على أن بناء الخزانة عنده لم يكن هواية، وإنما مشروعًا علميًا قدَّم له المال، ولم يجعل المال غايته.
ثم جاءت الرحلات لتسد ما عجزت عنه الأسواق؛ فرحل إلى الآستانة، ودمشق، وعدد من العواصم الأوروبية، يفتش عن المخطوطات، ويتعقب الطبعات، ويستنسخ أو يصور ما يتعذر اقتناؤه، حتى غدت الخزانة ثمرة أربعين عامًا من الجمع، والاستدراك، وطول النفس.
غير أن قيمة الخزانة لم تكن فيما جمعته من كتب فحسب، وإنما في الطريقة التي جُمعت بها. فقد كان أحمد زكي يحرص على استيعاب الكتاب في جميع أطواره؛ فيجمع مخطوطه، وطبعته الأولى، وما أعيد طبعه، وما تُرجم منه إلى اللغات الأوروبية، وما أُلِّف حوله من دراسات ونقد. فالكتاب عنده لم يكن نصًا يُقتنى، وإنما تاريخًا علميًا ينبغي أن تجتمع حلقاته في مكان واحد.
ولهذا تجاوزت الخزانة مرحلة الاقتناء إلى مرحلة الاستيعاب. فقد قرأ محتوياتها، وعلق على كثير من كتبها، واستخرج فوائدها في جزاذات مرتبة بحسب العلوم والأبواب، حتى صارت مكتبته أداةً للبحث لا مستودعًا للكتب.
وكان الباحثون والأدباء والمستشرقون يقصدونه يسألونه عن كتاب، أو رواية، أو موضع، أو علم، فيرجع إلى تلك الجزاذات قبل أن يرجع إلى الرفوف؛ لأن مادة الخزانة كانت قد انتقلت إلى ذهن صاحبها قبل أن تستقر في خزائنه.
ويشهد لطول نفسه في هذا الباب أنه ظل يتتبع أجزاء كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» أربع عشرة سنة، متنقلًا بين خزائن القسطنطينية، ورومية، وبرلين، ولندن، وباريس، ومدريد، وأكسفورد، حتى جمع ما تفرق منه. ولا تكمن أهمية هذه القصة في الكتاب نفسه، وإنما فيما تكشف عنه من منهج صاحبه؛ إذ لم يكن يرضى بالنقص إذا عرف سبيل الاستدراك.
ولم يحبس أحمد زكي هذه الخزانة على نفسه، بل جعلها مفتوحة للباحثين، ثم انتهى إلى وقفها.
ولم يكن باعثه على ذلك مجرد الرغبة في نفع الناس، وإنما خوفه على مصير المكتبات الخاصة بعد وفاة أصحابها؛ فقد رأى خزائن عظيمة تفرقت بين الورثة، وبيعت أجزاء منها في الأسواق، وانتهى بعضها إلى البقالين والجزارين يلفون بها السلع، فضاعت بذلك جهود أصحابها، وتبددت مجموعات لم يكن يمكن جمعها مرة أخرى.
فآثر أن يحفظ خزانته من هذا المصير، واشترط أن تبقى مستقلة باسمها ونظامها، وألا تختلط بغيرها من خزائن الكتب؛ لأنه كان يدرك أن المكتبة ليست مجموع كتب فحسب، وإنما بناء علمي متكامل، إذا تفككت أجزاؤه ضاعت شخصيته، وإن بقيت كتبه.
وتدل هذه الشواهد مجتمعة على أن المكتبات الخاصة الكبرى لا تنشأ غالبًا من اقتناءات متفرقة، وإنما من اجتماع خزائن سابقة، واستدراك طويل، وتضحية بالمال، واستيعاب للكتاب يتجاوز اقتناءه إلى معرفة تاريخه وخدمته، ثم وعي يضمن بقاء هذا البناء بعد وفاة صاحبه.
ولعل هذا هو السر في أن بعض المكتبات بقي معلمًا من معالم الثقافة، في حين لم يبق من غيرها إلا أسماء أصحابها.
ولعل كلمة أحمد زكي باشا التي قالها في ساعة ضجر أصدق ما يلخص هذه التجربة؛ فإن الرجل لم يكن يشكو كثرة الكتب، وإنما ثقل الأمانة التي حملها عشرات السنين.
ومن ذاق مشقة بناء مكتبة علمية أدرك أن أصعب مراحلها ليست جمع الكتب، بل حفظها، واستيعابها، ثم تأمين بقائها بعد صاحبها.
أفدتُ في هذه الأوبدة من دراسة الدكتور عبد المجيد دياب رحمه الله عن الخزانة الزكية.
