الأعداد الكاملة للنشرة الشهرية لمجموعة المخطوطات الإسلامية رابط متجدد

الأعداد الكاملة للنشرة الشهرية لـ (مجموعة المخطوطات الإسلامية) [رابط متجدد]

الأعداد الكاملة لـلنشرة الشهرية لـ (مجموعة المخطوطات الإسلامية) @almaktutat رابط متجدد https://mega.nz/#F!JugA2KDT!4nTvCdymnFy...

الاثنين، 8 يونيو 2026

رحلة الصحيح قبل أن يُكتب



 رحلة الصحيح قبل أن يُكتب

(أبو شذا النحّال)


لا تبدأ الكتب العظيمة يوم يضع مؤلفوها أسماءها على صفحاتها الأولى، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة وربما بعقود، في مجالس السماع، ورحلات الطلب، ومكتبات الشيوخ، والكتب التي تشكل عقل المصنف وتبني أدواته في النظر والاختيار.


ومن هذا الباب فإن «الجامع الصحيح» للإمام البخاري لا يُفهم فهمًا كاملًا إذا نُظر إليه بوصفه كتابًا مكتملًا ظهر دفعة واحدة، بل يحتاج الناظر إلى الرجوع خطوة إلى الوراء، والبحث في الينابيع التي صدر عنها، والكتب التي غذّت مادته، والبيئات العلمية التي أسهمت في تكوينه.


وقبل ظهور «الجامع الصحيح» كان «موطأ» الإمام مالك يتربع على مكانة لا تكاد تضاهى في الأمصار الإسلامية. فقد اجتمع له من القبول والانتشار ما جعله المرجع الأكبر في الحديث والفقه عند طبقات واسعة من أهل العلم، حتى شاع عند طائفة من أهل المذهب أن الإمام مالك انتخبه من مادة حديثية أوسع بكثير، ظل يراجعها ويهذبها حتى استقر على الصورة التي وصلت إلينا.


ولم يكن البخاري بعيدًا عن هذا العالم، بل كان شديد العناية بحديث مالك، حريصًا على سماعه من طرق متعددة ومن جماعة من أصحابه. ومن يتأمل «الجامع الصحيح» يلحظ كثافة حضور الموطأ فيه، حتى قال التقي بن تيمية إن البخاري إذا وجد في الباب حديثًا لمالك جعله في مقدمة ما يورده من الروايات. وليس ذلك مجرد تفضيل لرواية بعينها، بل شاهد على المكانة التي احتلها الموطأ في البناء العلمي الذي نشأ فيه البخاري.


غير أن الموطأ ـ مع جلالته ـ لم يكن يستوعب جميع ما صح عند أهل العلم، ولا جميع ما تفرق في الأمصار من السنن والآثار. وهنا تبدأ مرحلة أخرى من القصة.


فإذا تتبعنا شيوخ البخاري، ونظرنا في البلدان التي رحل إليها، ظهر لنا أن الصحيح لم يكن ثمرة بيئة واحدة، بل حصيلة رحلة واسعة بين مدارس الحديث المختلفة. وقد عني الحافظ ابن حجر في «هداية الساري لسيرة البخاري» بترتيب شيوخ البخاري على البلدان، وهو عمل يكشف مقدار ما أسهمت به الأمصار الإسلامية في تكوين مادة الصحيح.


فكل مصر دخله البخاري كان يمثل خزانة حديثية مستقلة؛ له شيوخه، ومروياته، وطرائق أهله في الحفظ والرواية. ولم يكن البخاري مجرد جامع لما يسمع، بل كان ينتقي من كل بيئة أصح ما عندها، ثم يضم ذلك إلى ما حصله من سائر الأمصار.


ومن هنا لا يعود «الجامع الصحيح» مجرد كتاب صنفه البخاري من مروياته الخاصة، بل يصبح ملتقى لمدارس الحديث في القرن الثالث، ومرآةً لحركة الرواية في العالم الإسلامي يومئذ.

ويبدو للناظر أن «المصنف» لشيخه أبي بكر بن أبي شيبة كان من أهم الأعمدة التي قام عليها بناء «الجامع الصحيح»


فكما أفاد البخاري من الموطأ في جانب من مادته، أفاد من المصنف في استحضار آثار الصحابة والتابعين، ومذاهب فقهاء الأمصار، والروايات التي كانت تدور في البيئة العراقية خاصة.


ولم يكن «مصنف ابن أبي شيبة» المورد الوحيد من هذا الباب، بل يلوح للناظر أثر «مصنف عبد الرزاق الصنعاني» أيضًا، وهو الكتاب الذي وصفه الذهبي بأنه «خِزانة علم». 


وقد كانت منزلة عبد الرزاق عند أئمة الحديث عظيمة؛ فرحل إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم من أئمة عصره، وسمعوا منه كتبه ومصنفاته.


 ثم انتقل شيء من هذا التراث إلى البخاري بواسطة شيوخه؛ فهو يروي عن عبد الرزاق من طريق إسحاق بن راهويه، كما يروي عنه من غير هذا الطريق أيضًا. 


ومن هنا لا يبدو «مصنف عبد الرزاق» كتابًا سابقًا للصحيح فحسب، بل أحد الدواوين التي دارت في أوساط شيوخ البخاري، وانتقل شيء من مادتها العلمية إلى الجيل الذي خرج منه «الجامع الصحيح».


وليس هذا أمرًا خاصًا بالصحيح وحده، بل يظهر أثره أيضًا في سائر أعمال البخاري. فمن يتأمل «التاريخ الكبير» يلحظ مقدار الإفادة من كتب علي بن المديني، والفلاس، وخليفة بن خياط، وغيرهم من أئمة عصره. 


وذلك يدل على أنه لم يكن يبدأ من فراغ، بل كان ينطلق من تراث واسع سابق عليه، ثم يعيد ترتيبه وصياغته وفق رؤيته الخاصة. ولهذا فإن دراسة موارد «الجامع الصحيح» ليست بحثًا في الهوامش، بل طريق لفهم الكتاب نفسه. 


فمعرفة ما تلقاه البخاري عن الحجازيين، وما أخذه عن أهل العراق، وما حمله من الشام ومصر، وما استفاده من شيوخ خراسان، تكشف لنا كيف تكوَّن هذا المصنف العظيم، وكيف استطاع أن يجمع بين روايات متفرقة في أقاليم متباعدة داخل بناء واحد متماسك.


ومن هنا فإن الدفاع عن البخاري لا يكون بالثناء المجرد عليه، ولا بتكرار ما استقر في النفوس من تعظيمه، وإنما يكون بفهم مشروعه العلمي نفسه. 


فكلما ازداد الباحث معرفة بمصادر الصحيح وموارده، ازداد يقينًا بأن هذا الكتاب لم يولد فجأة، ولم ينبت في فراغ، بل كان ثمرة رحلة طويلة في الرواية، ونتيجة اتصال واسع بأئمة الأمصار ومكتباتهم ومروياتهم.


ولعل من أنفع المشروعات العلمية في هذا الباب تتبع روايات «الجامع الصحيح» إلى ينابيعها الأولى، ورد أحاديثه وآثاره إلى الأصول التي تلقاها منها البخاري، لا على سبيل التخريج المجرد، بل على سبيل إعادة رسم الخريطة العلمية التي سبقته، والكشف عن العالم الذي تكوَّن فيه الصحيح قبل أن يصير كتابًا.


فإن الكتاب إذا قُرئ على هذا الوجه لم يعد مجرد مصنف في الحديث، بل غدا شاهدًا على حركة العلم والرواية في القرن الثالث الهجري. وهنا يتغير السؤال.


فبدل أن نسأل: كيف صنف البخاري صحيحه؟


يصبح السؤال: كيف تكوّن الصحيح قبل أن يكتبه البخاري؟


وحينئذ لا نكون أمام كتاب فحسب، بل أمام رحلة علمية طويلة، اشتركت في بنائها مدارس الأمصار، ومجالس الشيوخ، ومصنفات السابقين، ثم انتهت كلها إلى واحد من أعظم المصنفات في تاريخ الإسلام.

السبت، 6 يونيو 2026

التاريخ الكبير: شاهدٌ على مكتبة القرن الثالث



 التاريخ الكبير: شاهدٌ على مكتبة القرن الثالث

أبو شذا محمود النحّال


كثيرًا ما تُستدعى رواية أبي أحمد الحاكم الكبير في شأن أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وكتاب «التاريخ الكبير» للإمام البخاري، ثم يُبنى عليها جدل طويل حول الأخذ والإفادة والإغارة.


غير أن هذه الرواية ـ على فرض صحتها وفهمها على وجهها ـ تفتح بابًا أوسع من ذلك بكثير.


فليست قيمتها الحقيقية فيما يُستخرج منها من أحكام على الأشخاص، وإنما فيما تكشفه من طبيعة الحياة العلمية في القرن الثالث، وكيف كانت المصنفات الكبرى تنتقل بين الأمصار، وتدخل مجالس الأئمة، وتتحول من جهد فردي إلى موضوع للقراءة والمذاكرة والنقد والاستدراك.


ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل أغار الرازيان على «التاريخ الكبير»؟


بل: كيف وُلد «التاريخ الكبير» أصلًا؟ وما البيئة العلمية التي أخرجته؟ وما التراث الذي استقر بين دفتيه؟ وما الذي يمكن أن يخبرنا به عن المكتبة التي كانت حاضرة بين يدي البخاري وهو يضع هذا المصنف؟


إن «التاريخ الكبير» لا يُفهم فهمًا صحيحًا إذا نُظر إليه بوصفه كتاب تراجم فحسب.


فمن يقرأه قراءة المتأمل في نصوصه لا يرى كتابًا واحدًا، بل يرى آثار مكتبة واسعة تتجلى في مصادره ومروياته وإشاراته.


فخلف صفحاته تقف كتب خليفة بن خياط، ولا سيما «الطبقات» و«التاريخ»، وتقف كتب عمرو بن علي الفلاس، كما تقف المدرسة النقدية التي شيدها أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ تلك الطبقة التي وضعت الأصول الكبرى لعلم الرجال والعلل.


كما تظهر فيه روافد المغازي والسير، ولا سيما روايات ابن إسحاق التي حملها عنه يونس بن بُكير ومحمد بن سلمة الحراني وغيرهما، فضلًا عن آثار «الموطأ»، وكتب ابن المبارك، ومصنفات أبي نُعيم الدُّكيني، ومسند مسدد، وعشرات الدفاتر الحديثية التي كانت تتداولها أيدي المحدثين في الأمصار.


ولهذا فإن «التاريخ الكبير» ليس مجرد كتاب ألَّفه البخاري، بل ملتقى طبقات من المعرفة الحديثية والتاريخية سبقته، ثم اجتمعت فيه على صورة جديدة.


وهنا يبرز سؤال لعل الباحثين أحوج ما يكونون إليه:


ماذا كان يقرأ البخاري حين ألَّف «التاريخ الكبير»؟


وما حجم المكتبة التي كانت حاضرة بين يديه؟


وكم من كتاب أو دفتر أو مجلس علمي انعكس أثره في هذا المصنف ثم لم يصل إلينا منه إلا ما حفظه البخاري في ثناياه؟


وليس المقصود أن المصادر التي أفاد منها البخاري قد فُقدت جميعها؛ فبين أيدينا اليوم شيء من تراث خليفة بن خياط، وأجزاء من تراث الفلاس، ومصنفات عن أحمد وابن معين، وبعض كتب علي بن المديني وغيرهم.


غير أن ما وصل إلينا لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة للمكتبة التي كانت حاضرة بين يدي البخاري.


ومن هنا تبرز قيمة «التاريخ الكبير»؛ إذ لا يقف بوصفه كتابًا في أسماء الرجال فحسب، بل بوصفه شاهدًا على بيئة علمية واسعة، وموضع التقاء دفاتر ومجالس وتصانيف كثيرة، بقي بعضها، ووصل بعضها ناقصًا، وغاب بعضها عن أيدينا.


وهذه زاوية قلَّ أن تُستحضر عند النظر في هذه الرواية.


فإن التشابه بين كتب الرجال في القرن الثالث لا يحتاج إلى كبير تفسير؛ إذ كان العلماء يشتركون في الشيوخ والمجالس والدفاتر والرحلات والمذاكرات العلمية، وكانت المعرفة تنتقل بينهم انتقالًا مستمرًا.


ولهذا فإن ما يُرى من تقاطع بين «التاريخ الكبير» وما عند أبي زرعة أو أبي حاتم أو غيرهما لا ينبغي أن يُفهم دائمًا في إطار التبعية المباشرة، بقدر ما يُفهم في إطار البيئة العلمية المشتركة التي خرج منها الجميع.


بل إن طبيعة الحياة العلمية يومئذ تدل على أن الكتب الكبرى كانت تدخل في دورة تداول واسعة؛ تُقرأ على الأئمة، وتُناقش بابًا بابًا ومسألةً مسألة، ويُوافق عليها في مواضع، ويُعترض عليها في مواضع أخرى.


وقد وصف ابن تيمية وابن رجب جانبًا من هذه الظاهرة عند حديثهما عن الإمام أحمد، فذكرا أن مسائل فقهاء الأمصار وكتبهم كانت تُعرض عليه، وأن أصحابه كانوا يقرؤون عليه مسائل الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، فيجيب عنها موافقة ومخالفة.


فإذا كان هذا شأن كتب الفقه، فما الذي يمنع أن تكون كتب الرجال والعلل قد سلكت المسلك نفسه؟


بل لعل هذا هو الأصل.


وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى «التاريخ الكبير» و«الضعفاء» للبخاري بوصفهما كتابين دخلا في حركة العلم العامة، فقرأهما النقاد، واستفادوا منهما، وعارضوهما، واستدركوا عليهما، كما وقع لغيرهما من المصنفات الكبرى.


ويزيد هذا المعنى وضوحًا أن تعقبات الرازيين على البخاري لم تنحصر فيما أُفرد في «أغاليط البخاري في التاريخ الكبير»، بل بقيت لها آثار واسعة في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، حيث يلوح في مواضع كثيرة نظر مباشر في «التاريخ الكبير» ومناقشة لصنيعه في التراجم والأنساب والطبقات. كما يظهر في كلام أبي حاتم تعقب غير قليل على كتاب «الضعفاء» للبخاري.


وهذا كله يدل على أن كتب البخاري لم تكن عند الرازيين مادةً يُنتفع بها فحسب، بل نصوصًا حاضرة في مجلس النقد، تُقرأ وتُقابل وتُستدرك، ويُفرد بعضها بالتصنيف، ويبقى بعضها الآخر مبثوثًا في ثنايا الأجوبة والتراجم.


ومن هنا فإن رواية أبي أحمد الحاكم ـ مهما كان الموقف منها ـ لا تبدو خبرًا عن الرازيين بقدر ما تبدو شاهدًا على وجود حياة علمية كاملة كانت المصنفات فيها تتحرك بين الأئمة، وتُناقش في المجالس، وتصبح جزءًا من الذاكرة العلمية المشتركة.


ولعل السؤال الذي تثيره هذه الرواية في نهاية المطاف ليس: هل أخذ هذا من ذاك؟


وإنما: ماذا كانت تحتوي المكتبة التي كان يتحرك داخلها البخاري؟ وكيف وُلد «التاريخ الكبير» من تلك البيئة العلمية الواسعة؟ ثم كيف عاش الكتاب بعد ذلك في مجالس المحدثين، وانتقل بين الأمصار، ودخل دوائر العرض والمذاكرة والنقد والاستدراك؟


فربما كانت رواية أبي أحمد الحاكم أقلَّ ما تكون خبرًا عن شخصين أو كتابين، وأكثرَ ما تكون شاهدًا على حركة العلم نفسها؛ يوم كانت المصنفات تسافر بين العلماء، وتُقرأ على الأئمة، وتُناقش في المجالس، فتغدو بعد حين جزءًا من الذاكرة العلمية المشتركة.


وحينئذ لا يظهر «التاريخ الكبير» بوصفه كتابًا في أسماء الرجال فحسب، بل بوصفه شاهدًا على مكتبة القرن الثالث من جهة، وعلى الحياة العلمية التي أحاطت بتلك المكتبة من جهة أخرى.


أبو شذا محمود النَّحال

مجموعة المخطوطات الإسلامية

الجمعة، 5 يونيو 2026

صدر حديثًا: كتاب "رحلات الهلالي"

صدر حديثًا: كتاب "رحلات الهلالي" للمحقق الكبير الشيخ الفاضل مشهور حسن سلمان حفظه الله بعد عناء سنين طويلة في إخراج هذا الصرح الكبير ويتكون من 5 مجلدات والكتاب بدعم من الدار المالكية للنشر والتوزيع _السودان الموزع الرسمي:دار ابن الجوزي


صدر حديثًا: برنامج المكتبة الكتانية

صدر حديثًا: برنامج المكتبة الكتانية

صدر للأستاذ خالد السّباعي تحقيقه لبرنامج المكتبة الكتانية الذي دوّنه صاحبها العلامة عبدالحي بن عبدالكبير الكتاني ت١٣٨٢هـ. 

الكتاب صدر في مجلدين عن وزارة الأوقاف القطرية ١٤٤٧هـ/٢٠٢٦م.


ابن حِبّان بين ضياع تراثه وتشكُّل صورته العلمية

 ابن حِبّان بين ضياع تراثه وتشكُّل صورته العلمية

محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

أبو شذا

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

من الملاحظ أن صورة العالم عند المتأخرين لا تتكون دائمًا من مجموع تراثه، بل كثيرًا ما تتكون من القدر الذي بقي متداولًا منه، أو من الكتاب الذي قُدِّر له البقاء دون سواه. ومن هنا لا يكون تاريخ الكتب وتداولها بعيدًا عن تاريخ الأحكام العلمية، بل قد يكون أحد العوامل المؤثرة في نشأتها واستقرارها.


ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بهذه الثلاثية: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم؛ فهؤلاء الأئمة كانوا من أعظم من خدم السنة النبوية جمعًا وترتيبًا ونقدًا، ومع ذلك لم تنل مشاريعهم العلمية من العناية المتأخرة ما يناسب ضخامتها، بل غلبت على كثير من الدارسين أحكامٌ جزئية نشأت – في جانب منها – من طبيعة التراث الذي وصل، لا من حقيقة المشروع العلمي الذي كان.


ولا يرجع ذلك إلى عامل واحد؛ فالشمس الذهبي أحد المؤثرين في هذه السردية، لكنه ليس منشئها الوحيد، بل اشتركت فيها عوامل متعددة، من ضياع الكتب، وتعثر تداولها، وغلبة بعض المصنفات على غيرها، وتلقي المتأخرين لأحكام معينة دون غيرها.


وفيما يتعلق بابن حبان خاصة، فإن من القضايا التي تستحق التأمل أن كثيرًا من الجدل الذي دار حوله في القرون المتأخرة سبقته مرحلة طويلة من غياب أكثر تراثه عن التداول.


ولا شك أن للشمس الذهبي أثرًا ظاهرًا في تكوين الصورة المتأخرة لابن حبان؛ فقد كان واسع الانتشار في أهل الحديث، كثير التأثير فيمن جاء بعده، فانتقلت جملة من أحكامه إلى طبقات متعاقبة من الباحثين والدارسين. غير أن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أنه لم يكن رجلَ مرحلةٍ علمية واحدة؛ فالمتأمل في كتبه يلحظ شيئًا من تطور النظر واتساعه في الحكم على الأئمة، وكثرة اعتذاره لهم في مواضع عديدة.


وقد جمع التليدي طائفة من ذلك في بعض أجزاء «نصب الموائد». كما أن من جاء بعده لم يتفقوا معه في جميع ما ذهب إليه في شأن ابن حبان؛ ومن أبرزهم شيخ وقته الزين العراقي الذي انتصر له في فتواه المشهورة في شرطه، وردَّ بعض الأحكام التي جرى عليها غيره، لا سيما في أثناء «الأمالي على المستدرك».


والذي يظهر أن ابن حبان ابتُلي بعد وفاته بما هو أشد أثرًا من نقد النقاد؛ إذ تعرض تراثه مبكرًا لعوامل ضياع متتابعة، ثم جاءت الفتن والخراب الذي نزل ببلاد الإسلام الشرقية، فضاعت أصول كثيرة من كتبه، حتى صار ما فُقد من مصنفاته أضعاف ما بقي منها.


ويشهد لذلك ما حكاه الخطيب البغدادي في «الجامع» عن مسعود السجزي؛ إذ ذكر تصانيف ابن حبان الكثيرة، ثم سأل الخطيب عن مصيرها، فأجابه بأن أكثرها قد فُقد، ولم يبق منها إلا «النزر اليسير والقدر الحقير». وهذه شهادة مبكرة تكشف أن مشكلة ضياع كتب ابن حبان كانت معروفة منذ القرن الخامس.


بل إن الرواية نفسها تكشف أن ابن حبان لم يكن قد خلَّف كتبًا متفرقة فحسب، وإنما خلَّف مشروعًا علميًّا مجموعًا في دارٍ أوقفها على كتبه وسبَّلها للناس. وقد علل السجزي ضياع ذلك التراث بضعف السلطان واستيلاء ذوي العبث والفساد على تلك النواحي، في حين أبدى الخطيب عجبَه من عدم تنافس أهل العلم في نسخ تلك المصنفات الجليلة وإشاعتها بين الناس. وهذه الإشارات المبكرة تساعد على تفسير جانب من المصير الذي آل إليه تراث ابن حبان بعد وفاته.


ومع ذلك فإن آثار تلك الكتب لم تنقطع بالكلية؛ فابن السمعاني في «الأنساب» يكثر من النقل عن «الثقات» مع قلة تصريحه باسم ابن حبان، والحاكم ينقل من «المجروحين» في مواضع متعددة دون عزو صريح، وابن فاخر السجزي في «المنتخب من السبعيات» حشد طائفة من أقوال ابن حبان من غير نسبة واضحة إلا في مواضع معدودة.


ثم لا تكاد آثار كتب ابن حبان تظهر من جديد إلا في القرن السادس؛ فتظهر نقولات من «الثقات» عند شيخ وقته عبد الغني المقدسي في «الكمال»، في حين كان «المجروحين» هو الكتاب الأشهر حضورًا بين العلماء. ولعل هذا يفسر أن كثيرًا من المآخذ المشهورة على ابن حبان تشكلت من خلال قراءة «المجروحين» خاصة؛ كما يظهر في كلام الضياء المقدسي، وابن الصلاح، وغيرهما.


وربما كان لبعض تعقبات الدارقطني المبكرة على ابن حبان في «المجروحين» أثرٌ في ترسيخ جانب من هذه النظرة وانتقالها إلى طائفة من المتأخرين، لا سيما مع شيوع الكتاب وتداولِه في الأوساط الحديثية أكثر من غيره من مصنفات ابن حبان.


ثم أخذت بقية كتبه تخرج من الظل شيئًا فشيئًا؛ فظهر «الصحيح» في عصر ابن دقيق العيد، وكثرت الإفادة من «الثقات» عند العلاء مغلطاي، حتى وصلنا إلى عصر الشمس بن عبد الهادي محمد، حيث نجده في «الصارم المنكي» يتعقب التقي السبكي في الاحتجاج بتوثيق ابن حبان، مستندًا إلى أمثلة لمن وثقهم ابن حبان ثم قال في بعضهم: لا أعرفه، أو لا يُدرى من هو ومن أبوه.


ومن هنا يلوح أن جانبًا غير يسير من الجدل المتأخر حول ابن حبان لم ينشأ من مجرد النظر في منهجه، بل من طبيعة التراث الذي وصل إلينا منه؛ إذ سبق «المجروحين» غيرَه إلى أيدي العلماء، وتأخر ظهور بقية كتبه، فتكوَّنت صورة الرجل عند كثير من المتأخرين من خلال كتاب واحد أكثر مما تكوَّنت من مجموع مشروعه العلمي.


ولعل هذا من أهم ما ينبغي استحضاره عند دراسة ابن حبان والحكم على مشروعه العلمي.


وهذه القضية لا تخص ابن حبان وحده، بل تمثل مدخلًا لفهم جانب من تاريخ العلوم الإسلامية؛ إذ ليس كل حكمٍ اشتهر بين المتأخرين نشأ عن استقراءٍ كامل لتراث صاحبه، بل ربما تشكلت صورة العالم من الكتاب الذي نجا، لا من الكتب التي فُقدت، ومن الجزء الذي وصل، لا من المشروع الذي اندرس.


ومن هنا فإن دراسة تاريخ بقاء الكتب وضياعها ليست مسألة تتعلق بتاريخ المصنفات وحده، بل هي جزء من تاريخ تكوُّن الأحكام العلمية نفسها؛ لأن الأجيال كثيرًا ما حكمت على العلماء بما وصل من آثارهم، لا بما كان عندهم في الحقيقة.


وإذا كانت صورة ابن حبان قد تشكلت عند كثير من المتأخرين من خلال كتاب واحد سبق غيره إلى التداول، فكم من إمامٍ آخر حكمت عليه الأجيال بما بقي من تراثه لا بما خلَّفه في الحقيقة؟ 


وكم من مشروع علمي ضخم غاب أكثره عن الأنظار، ثم تولدت الأحكام على صاحبه من الجزء اليسير الذي نجا من الضياع؟ 

وهل يمكن كتابة تاريخ علوم الحديث بمعزل عن تاريخ بقاء الكتب وفقدها؟


محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

أبو شذا

مجموعة المخطوطات الإسلامية


السبت، 30 أغسطس 2025

⚘ أعلام في محراب العلم

⚘أعلام في محراب العلم..

أ.د. عبد السَّميع الأنيس

مجموعة المخطوطات الإسلامية 

كم يعجبني العالم المتخصص العاكف في محراب العلم بعيداً عن الشهرة والأضواء، ويقدم للأمة أعمالاً جليلة عظيمة!

 وسأذكر في هذا المقال ثمانية من هؤلاء العلماء المبدعين الأحياء في مجال الدراسات القرآنية والعربية حفظهم الله، ومتعهم بالصحة والعافية، ونسأل الله أن يتقبل منهم، ويجزيهم خير الجزاء، وهم:

١- الأستاذ الدكتور فخر الدين قباوة (١٩٣٣) حلب، سورية

من أبرز أعماله:

- تحقيق «تفسير الجلالين»، أنجزه خلال عشرين سنة 

- تحقيق كتاب: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، لابن هشام.


٢- الأستاذ الدكتور أحمد محمد الخراط (١٣٦٧هـ - ١٩٤٨) حلب، سورية

 من أبرز أعماله:

- تحقيق: "المُجتبى في مُشكل إعراب القرآن" (أربع مجلدات) 

- تحقيق كتاب: «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» للسمين الحلبي (١١) مجلداً.

- تحقيق كتاب: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير الجُزري (١٠) مجلدات.

"معجم مفردات الإعلال والإبدال في القرآن الكريم".


 ٣- الأستاذ الدكتور محمود سليمان ياقوت، من مصر

 من أبرز أعماله: 

"إعراب القرآن"، (١٠) أجزاء.


٤- الأستاذ الدكتور سعد عبدالعزيز مصلوح (١٩٤٣) من مصر

من أبرز أعماله:

"التفصيل في إعراب التنزيل" (١٥) مجلداً.

مع الأستاذ عبداللطيف محمد الخطيب.


٥- الأستاذ الدكتور عبداللطيف محمد الخطيب (١٩٤٣) دمشق، سورية

 من أبرز أعماله: 

- "معجم القراءات" (١١) مجلداً

- "التفصيل في إعراب التنزيل" (١٥) مجلداً.

مع الأستاذ سعد مصلوح.

- تحقيق كتاب: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، لابن هشام الأنصاري


٦- الأستاذ الدكتور حسن هنداوي (١٩٤٨) حلب، سورية

 من أبرز أعماله: 

"التذييل والتكميل في شرح التسهيل"، لأبي حيان الأندلسي، (٢٢) مجلداً مع الفهارس.

 

٧- الأستاذ الدكتور د.حسن العثمان، الشافِيَجِي، حلب، سورية

من أبرز أعماله:

- تحقيق: كتاب الشافية، لابن الحاجب، في علم الصرف.

وشرح كثيراً من المتون صوتياً، منها:

- شرح متن البناء (١٢) درساَ.

- شرح المغني في النحو، للجاربردي(٦٠) درساً.

- شرح الكافية، لابن الحاجب (١٨٠) درساً.

-،شرح الشافية، لابن الحاجب (١١١) درساً.

 

٨- الأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد (١٩٥٠) من العراق

 من أبرز أعماله:

"رسم المصحف"، وله عدة أبحاث مهمة في هذا المجال.

- "الدراسات الصوتية عند علماء التجويد"

 (أطروحته للدكتوراه)

أ.د. عبدالسميع الأنيس
مجموعة المخطوطات الإسلامية

هل كل مخطوط جدير بالتحقيق؟ (نسخة مختصرة).

 هل كل مخطوط جدير بالتحقيق؟

(نسخة مختصرة)

أ. أبو شذا محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

الحمد لله وحده، وبعد:

فلا ريب أن وجود مخطوط غير محقق في أي علم من العلوم ليس أمرًا نادرًا، لكنّ قيمته الحقيقية لا تتوقف على كونه مفقودًا أو مجهولًا، بل ترتبط بعوامل جوهرية: مكانة المؤلف، وسياق عصره، وأثر الكتاب في تراث العلم الذي ينتمي إليه.

والعلوم بطبيعتها تميل إلى التركيز، والانتخاب، والاستقرار على نصوص بعينها، تُصبح عمدتها وأمات مصادرها. 

وفي كل جيل يُهجر عدد من الكتب، ويُعتمد عدد آخر بحسب الحاجة العلمية والتداول العلمي.

- ففي علم الحديث تراجعت مؤلفات يحيى بن معين، والقطان، وابن مهدي، وابن المديني حتى ما نُقل عن الإمام أحمد، لصالح مصنفات الذهبي وابن حجر.

- وفي الفقه أُهملت تعليقات ابن سريج، وأبي الطيب، والقاضي حسين، وأبي يعلى، ليبرز في مقابلها ما ألفه ابن حجر الهيتمي، والرملي، والمرداوي، والفتوحي.

- أما علوم اللغة فقلّ الرجوع إلى "العين" لليث، وكتب الأزهري وابن دريد، وابن سيده وبرزت المختصرات الجامعة مثل "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس" للزبيدي، وغُيّبت كتب مركزية كـ"الغريب" لأبي عبيد، والقُتيبي، وأبي موسى، والهروي لصالح "النهاية" لابن الأثير.

وإذا تقرر ما سبق، فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمصادر طُمست أو حُجبت، لا لضعفها، بل لانحسار تداولها. 

وقيمة أي مخطوط لا تُقاس بكونه مفقودًا أو نادرًا فقط، بل بدرجة الحاجة إليه، ومقدار الإضافة التي يحملها. 

والموفق من رزق عينًا بصيرة تميز ما يُرجى منه نفع، وما طواه الإجماع العلمي عن استحقاق. 

(أبو شذا).