الأعداد الكاملة للنشرة الشهرية لمجموعة المخطوطات الإسلامية رابط متجدد

الأعداد الكاملة للنشرة الشهرية لـ (مجموعة المخطوطات الإسلامية) [رابط متجدد]

الأعداد الكاملة لـلنشرة الشهرية لـ (مجموعة المخطوطات الإسلامية) @almaktutat رابط متجدد https://mega.nz/#F!JugA2KDT!4nTvCdymnFy...

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ. أبو شذا محمود النحال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ. أبو شذا محمود النحال. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 26 يونيو 2026

الخزانة الزكية: كيف تُبنى المكتبات العظمى؟ محمود النحال

 

الخزانة الزكية: كيف تُبنى المكتبات العظمى؟

محمود بن عبد الفتاح النحال

مجموعة المخطوطات الإسلامية


قد يدهش القارئ أن يسمع عن رجل أفنى عمره في جمع الكتب، ثم يعترف في ساعة ضجر أنه تمنى لو ابتلعتها الأرض أو جاءت نار فأحرقتها، ثم يذكر أنه كان يستغفر الله من هذه الخاطرة.

 وليس في ذلك زهد في العلم، وإنما اعتراف بثقل مشروع استغرق عمرًا كاملًا؛ إذ إن اقتناء الكتب أيسر من القيام بحقوقها، وصيانة المكتبة أصعب من إنشائها.

وتكشف الخزانة الزكية عن منهج يجاوز مجرد جمع الكتب؛ فهي تمثل نموذجًا لطريقة تكوُّن المكتبات الخاصة الكبرى في العصر الحديث.

فلم تنشأ الخزانة كتابًا بعد كتاب على الصورة المألوفة، وإنما تكون جانب كبير منها بضم مكتبات كاملة إلى مشروع واحد. فقد كان أحمد زكي باشا يتتبع خزائن العلماء والأعيان، فإذا ظفر بإحداها اقتناها بأجمعها، فدخلت في خزانته مكتبة البرنس محمد إبراهيم، وخزانة جبرائيل بك المجلع، ومكتبة محمد بك واصف، وغيرها من المكتبات الخاصة. ولم يكن بذلك يضيف مجلدات إلى رفوفه، وإنما كان يضم إلى مشروعه حصيلة أعمار كاملة من الجمع والاختيار.

ولم يكن هذا المنهج ثمرة سعة في المال، بل ثمرة تضحية به. فقد أنفق الأموال في سبيل اقتناء النوادر، وبلغ به الشغف أن باع بعض أطيانه وعقاراته ليظفر بمكتبة أو نسخة رآها جديرة بالحفظ. وتدل هذه التضحية على أن بناء الخزانة عنده لم يكن هواية، وإنما مشروعًا علميًا قدَّم له المال، ولم يجعل المال غايته.

ثم جاءت الرحلات لتسد ما عجزت عنه الأسواق؛ فرحل إلى الآستانة، ودمشق، وعدد من العواصم الأوروبية، يفتش عن المخطوطات، ويتعقب الطبعات، ويستنسخ أو يصور ما يتعذر اقتناؤه، حتى غدت الخزانة ثمرة أربعين عامًا من الجمع، والاستدراك، وطول النفس.

غير أن قيمة الخزانة لم تكن فيما جمعته من كتب فحسب، وإنما في الطريقة التي جُمعت بها. فقد كان أحمد زكي يحرص على استيعاب الكتاب في جميع أطواره؛ فيجمع مخطوطه، وطبعته الأولى، وما أعيد طبعه، وما تُرجم منه إلى اللغات الأوروبية، وما أُلِّف حوله من دراسات ونقد. فالكتاب عنده لم يكن نصًا يُقتنى، وإنما تاريخًا علميًا ينبغي أن تجتمع حلقاته في مكان واحد.

ولهذا تجاوزت الخزانة مرحلة الاقتناء إلى مرحلة الاستيعاب. فقد قرأ محتوياتها، وعلق على كثير من كتبها، واستخرج فوائدها في جزاذات مرتبة بحسب العلوم والأبواب، حتى صارت مكتبته أداةً للبحث لا مستودعًا للكتب.

 وكان الباحثون والأدباء والمستشرقون يقصدونه يسألونه عن كتاب، أو رواية، أو موضع، أو علم، فيرجع إلى تلك الجزاذات قبل أن يرجع إلى الرفوف؛ لأن مادة الخزانة كانت قد انتقلت إلى ذهن صاحبها قبل أن تستقر في خزائنه.

ويشهد لطول نفسه في هذا الباب أنه ظل يتتبع أجزاء كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» أربع عشرة سنة، متنقلًا بين خزائن القسطنطينية، ورومية، وبرلين، ولندن، وباريس، ومدريد، وأكسفورد، حتى جمع ما تفرق منه. ولا تكمن أهمية هذه القصة في الكتاب نفسه، وإنما فيما تكشف عنه من منهج صاحبه؛ إذ لم يكن يرضى بالنقص إذا عرف سبيل الاستدراك.

ولم يحبس أحمد زكي هذه الخزانة على نفسه، بل جعلها مفتوحة للباحثين، ثم انتهى إلى وقفها. 

ولم يكن باعثه على ذلك مجرد الرغبة في نفع الناس، وإنما خوفه على مصير المكتبات الخاصة بعد وفاة أصحابها؛ فقد رأى خزائن عظيمة تفرقت بين الورثة، وبيعت أجزاء منها في الأسواق، وانتهى بعضها إلى البقالين والجزارين يلفون بها السلع، فضاعت بذلك جهود أصحابها، وتبددت مجموعات لم يكن يمكن جمعها مرة أخرى. 

فآثر أن يحفظ خزانته من هذا المصير، واشترط أن تبقى مستقلة باسمها ونظامها، وألا تختلط بغيرها من خزائن الكتب؛ لأنه كان يدرك أن المكتبة ليست مجموع كتب فحسب، وإنما بناء علمي متكامل، إذا تفككت أجزاؤه ضاعت شخصيته، وإن بقيت كتبه.

وتدل هذه الشواهد مجتمعة على أن المكتبات الخاصة الكبرى لا تنشأ غالبًا من اقتناءات متفرقة، وإنما من اجتماع خزائن سابقة، واستدراك طويل، وتضحية بالمال، واستيعاب للكتاب يتجاوز اقتناءه إلى معرفة تاريخه وخدمته، ثم وعي يضمن بقاء هذا البناء بعد وفاة صاحبه.

 ولعل هذا هو السر في أن بعض المكتبات بقي معلمًا من معالم الثقافة، في حين لم يبق من غيرها إلا أسماء أصحابها.

ولعل كلمة أحمد زكي باشا التي قالها في ساعة ضجر أصدق ما يلخص هذه التجربة؛ فإن الرجل لم يكن يشكو كثرة الكتب، وإنما ثقل الأمانة التي حملها عشرات السنين. 

ومن ذاق مشقة بناء مكتبة علمية أدرك أن أصعب مراحلها ليست جمع الكتب، بل حفظها، واستيعابها، ثم تأمين بقائها بعد صاحبها.

أفدتُ في هذه الأوبدة من دراسة الدكتور عبد المجيد دياب رحمه الله عن الخزانة الزكية.

الاثنين، 8 يونيو 2026

رحلة الصحيح قبل أن يُكتب



 رحلة الصحيح قبل أن يُكتب

(أبو شذا النحّال)


لا تبدأ الكتب العظيمة يوم يضع مؤلفوها أسماءها على صفحاتها الأولى، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة وربما بعقود، في مجالس السماع، ورحلات الطلب، ومكتبات الشيوخ، والكتب التي تشكل عقل المصنف وتبني أدواته في النظر والاختيار.


ومن هذا الباب فإن «الجامع الصحيح» للإمام البخاري لا يُفهم فهمًا كاملًا إذا نُظر إليه بوصفه كتابًا مكتملًا ظهر دفعة واحدة، بل يحتاج الناظر إلى الرجوع خطوة إلى الوراء، والبحث في الينابيع التي صدر عنها، والكتب التي غذّت مادته، والبيئات العلمية التي أسهمت في تكوينه.


وقبل ظهور «الجامع الصحيح» كان «موطأ» الإمام مالك يتربع على مكانة لا تكاد تضاهى في الأمصار الإسلامية. فقد اجتمع له من القبول والانتشار ما جعله المرجع الأكبر في الحديث والفقه عند طبقات واسعة من أهل العلم، حتى شاع عند طائفة من أهل المذهب أن الإمام مالك انتخبه من مادة حديثية أوسع بكثير، ظل يراجعها ويهذبها حتى استقر على الصورة التي وصلت إلينا.


ولم يكن البخاري بعيدًا عن هذا العالم، بل كان شديد العناية بحديث مالك، حريصًا على سماعه من طرق متعددة ومن جماعة من أصحابه. ومن يتأمل «الجامع الصحيح» يلحظ كثافة حضور الموطأ فيه، حتى قال التقي بن تيمية إن البخاري إذا وجد في الباب حديثًا لمالك جعله في مقدمة ما يورده من الروايات. وليس ذلك مجرد تفضيل لرواية بعينها، بل شاهد على المكانة التي احتلها الموطأ في البناء العلمي الذي نشأ فيه البخاري.


غير أن الموطأ ـ مع جلالته ـ لم يكن يستوعب جميع ما صح عند أهل العلم، ولا جميع ما تفرق في الأمصار من السنن والآثار. وهنا تبدأ مرحلة أخرى من القصة.


فإذا تتبعنا شيوخ البخاري، ونظرنا في البلدان التي رحل إليها، ظهر لنا أن الصحيح لم يكن ثمرة بيئة واحدة، بل حصيلة رحلة واسعة بين مدارس الحديث المختلفة. وقد عني الحافظ ابن حجر في «هداية الساري لسيرة البخاري» بترتيب شيوخ البخاري على البلدان، وهو عمل يكشف مقدار ما أسهمت به الأمصار الإسلامية في تكوين مادة الصحيح.


فكل مصر دخله البخاري كان يمثل خزانة حديثية مستقلة؛ له شيوخه، ومروياته، وطرائق أهله في الحفظ والرواية. ولم يكن البخاري مجرد جامع لما يسمع، بل كان ينتقي من كل بيئة أصح ما عندها، ثم يضم ذلك إلى ما حصله من سائر الأمصار.


ومن هنا لا يعود «الجامع الصحيح» مجرد كتاب صنفه البخاري من مروياته الخاصة، بل يصبح ملتقى لمدارس الحديث في القرن الثالث، ومرآةً لحركة الرواية في العالم الإسلامي يومئذ.

ويبدو للناظر أن «المصنف» لشيخه أبي بكر بن أبي شيبة كان من أهم الأعمدة التي قام عليها بناء «الجامع الصحيح»


فكما أفاد البخاري من الموطأ في جانب من مادته، أفاد من المصنف في استحضار آثار الصحابة والتابعين، ومذاهب فقهاء الأمصار، والروايات التي كانت تدور في البيئة العراقية خاصة.


ولم يكن «مصنف ابن أبي شيبة» المورد الوحيد من هذا الباب، بل يلوح للناظر أثر «مصنف عبد الرزاق الصنعاني» أيضًا، وهو الكتاب الذي وصفه الذهبي بأنه «خِزانة علم». 


وقد كانت منزلة عبد الرزاق عند أئمة الحديث عظيمة؛ فرحل إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم من أئمة عصره، وسمعوا منه كتبه ومصنفاته.


 ثم انتقل شيء من هذا التراث إلى البخاري بواسطة شيوخه؛ فهو يروي عن عبد الرزاق من طريق إسحاق بن راهويه، كما يروي عنه من غير هذا الطريق أيضًا. 


ومن هنا لا يبدو «مصنف عبد الرزاق» كتابًا سابقًا للصحيح فحسب، بل أحد الدواوين التي دارت في أوساط شيوخ البخاري، وانتقل شيء من مادتها العلمية إلى الجيل الذي خرج منه «الجامع الصحيح».


وليس هذا أمرًا خاصًا بالصحيح وحده، بل يظهر أثره أيضًا في سائر أعمال البخاري. فمن يتأمل «التاريخ الكبير» يلحظ مقدار الإفادة من كتب علي بن المديني، والفلاس، وخليفة بن خياط، وغيرهم من أئمة عصره. 


وذلك يدل على أنه لم يكن يبدأ من فراغ، بل كان ينطلق من تراث واسع سابق عليه، ثم يعيد ترتيبه وصياغته وفق رؤيته الخاصة. ولهذا فإن دراسة موارد «الجامع الصحيح» ليست بحثًا في الهوامش، بل طريق لفهم الكتاب نفسه. 


فمعرفة ما تلقاه البخاري عن الحجازيين، وما أخذه عن أهل العراق، وما حمله من الشام ومصر، وما استفاده من شيوخ خراسان، تكشف لنا كيف تكوَّن هذا المصنف العظيم، وكيف استطاع أن يجمع بين روايات متفرقة في أقاليم متباعدة داخل بناء واحد متماسك.


ومن هنا فإن الدفاع عن البخاري لا يكون بالثناء المجرد عليه، ولا بتكرار ما استقر في النفوس من تعظيمه، وإنما يكون بفهم مشروعه العلمي نفسه. 


فكلما ازداد الباحث معرفة بمصادر الصحيح وموارده، ازداد يقينًا بأن هذا الكتاب لم يولد فجأة، ولم ينبت في فراغ، بل كان ثمرة رحلة طويلة في الرواية، ونتيجة اتصال واسع بأئمة الأمصار ومكتباتهم ومروياتهم.


ولعل من أنفع المشروعات العلمية في هذا الباب تتبع روايات «الجامع الصحيح» إلى ينابيعها الأولى، ورد أحاديثه وآثاره إلى الأصول التي تلقاها منها البخاري، لا على سبيل التخريج المجرد، بل على سبيل إعادة رسم الخريطة العلمية التي سبقته، والكشف عن العالم الذي تكوَّن فيه الصحيح قبل أن يصير كتابًا.


فإن الكتاب إذا قُرئ على هذا الوجه لم يعد مجرد مصنف في الحديث، بل غدا شاهدًا على حركة العلم والرواية في القرن الثالث الهجري. وهنا يتغير السؤال.


فبدل أن نسأل: كيف صنف البخاري صحيحه؟


يصبح السؤال: كيف تكوّن الصحيح قبل أن يكتبه البخاري؟


وحينئذ لا نكون أمام كتاب فحسب، بل أمام رحلة علمية طويلة، اشتركت في بنائها مدارس الأمصار، ومجالس الشيوخ، ومصنفات السابقين، ثم انتهت كلها إلى واحد من أعظم المصنفات في تاريخ الإسلام.

السبت، 6 يونيو 2026

التاريخ الكبير: شاهدٌ على مكتبة القرن الثالث



 التاريخ الكبير: شاهدٌ على مكتبة القرن الثالث

أبو شذا محمود النحّال


كثيرًا ما تُستدعى رواية أبي أحمد الحاكم الكبير في شأن أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وكتاب «التاريخ الكبير» للإمام البخاري، ثم يُبنى عليها جدل طويل حول الأخذ والإفادة والإغارة.


غير أن هذه الرواية ـ على فرض صحتها وفهمها على وجهها ـ تفتح بابًا أوسع من ذلك بكثير.


فليست قيمتها الحقيقية فيما يُستخرج منها من أحكام على الأشخاص، وإنما فيما تكشفه من طبيعة الحياة العلمية في القرن الثالث، وكيف كانت المصنفات الكبرى تنتقل بين الأمصار، وتدخل مجالس الأئمة، وتتحول من جهد فردي إلى موضوع للقراءة والمذاكرة والنقد والاستدراك.


ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل أغار الرازيان على «التاريخ الكبير»؟


بل: كيف وُلد «التاريخ الكبير» أصلًا؟ وما البيئة العلمية التي أخرجته؟ وما التراث الذي استقر بين دفتيه؟ وما الذي يمكن أن يخبرنا به عن المكتبة التي كانت حاضرة بين يدي البخاري وهو يضع هذا المصنف؟


إن «التاريخ الكبير» لا يُفهم فهمًا صحيحًا إذا نُظر إليه بوصفه كتاب تراجم فحسب.


فمن يقرأه قراءة المتأمل في نصوصه لا يرى كتابًا واحدًا، بل يرى آثار مكتبة واسعة تتجلى في مصادره ومروياته وإشاراته.


فخلف صفحاته تقف كتب خليفة بن خياط، ولا سيما «الطبقات» و«التاريخ»، وتقف كتب عمرو بن علي الفلاس، كما تقف المدرسة النقدية التي شيدها أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ تلك الطبقة التي وضعت الأصول الكبرى لعلم الرجال والعلل.


كما تظهر فيه روافد المغازي والسير، ولا سيما روايات ابن إسحاق التي حملها عنه يونس بن بُكير ومحمد بن سلمة الحراني وغيرهما، فضلًا عن آثار «الموطأ»، وكتب ابن المبارك، ومصنفات أبي نُعيم الدُّكيني، ومسند مسدد، وعشرات الدفاتر الحديثية التي كانت تتداولها أيدي المحدثين في الأمصار.


ولهذا فإن «التاريخ الكبير» ليس مجرد كتاب ألَّفه البخاري، بل ملتقى طبقات من المعرفة الحديثية والتاريخية سبقته، ثم اجتمعت فيه على صورة جديدة.


وهنا يبرز سؤال لعل الباحثين أحوج ما يكونون إليه:


ماذا كان يقرأ البخاري حين ألَّف «التاريخ الكبير»؟


وما حجم المكتبة التي كانت حاضرة بين يديه؟


وكم من كتاب أو دفتر أو مجلس علمي انعكس أثره في هذا المصنف ثم لم يصل إلينا منه إلا ما حفظه البخاري في ثناياه؟


وليس المقصود أن المصادر التي أفاد منها البخاري قد فُقدت جميعها؛ فبين أيدينا اليوم شيء من تراث خليفة بن خياط، وأجزاء من تراث الفلاس، ومصنفات عن أحمد وابن معين، وبعض كتب علي بن المديني وغيرهم.


غير أن ما وصل إلينا لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة للمكتبة التي كانت حاضرة بين يدي البخاري.


ومن هنا تبرز قيمة «التاريخ الكبير»؛ إذ لا يقف بوصفه كتابًا في أسماء الرجال فحسب، بل بوصفه شاهدًا على بيئة علمية واسعة، وموضع التقاء دفاتر ومجالس وتصانيف كثيرة، بقي بعضها، ووصل بعضها ناقصًا، وغاب بعضها عن أيدينا.


وهذه زاوية قلَّ أن تُستحضر عند النظر في هذه الرواية.


فإن التشابه بين كتب الرجال في القرن الثالث لا يحتاج إلى كبير تفسير؛ إذ كان العلماء يشتركون في الشيوخ والمجالس والدفاتر والرحلات والمذاكرات العلمية، وكانت المعرفة تنتقل بينهم انتقالًا مستمرًا.


ولهذا فإن ما يُرى من تقاطع بين «التاريخ الكبير» وما عند أبي زرعة أو أبي حاتم أو غيرهما لا ينبغي أن يُفهم دائمًا في إطار التبعية المباشرة، بقدر ما يُفهم في إطار البيئة العلمية المشتركة التي خرج منها الجميع.


بل إن طبيعة الحياة العلمية يومئذ تدل على أن الكتب الكبرى كانت تدخل في دورة تداول واسعة؛ تُقرأ على الأئمة، وتُناقش بابًا بابًا ومسألةً مسألة، ويُوافق عليها في مواضع، ويُعترض عليها في مواضع أخرى.


وقد وصف ابن تيمية وابن رجب جانبًا من هذه الظاهرة عند حديثهما عن الإمام أحمد، فذكرا أن مسائل فقهاء الأمصار وكتبهم كانت تُعرض عليه، وأن أصحابه كانوا يقرؤون عليه مسائل الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، فيجيب عنها موافقة ومخالفة.


فإذا كان هذا شأن كتب الفقه، فما الذي يمنع أن تكون كتب الرجال والعلل قد سلكت المسلك نفسه؟


بل لعل هذا هو الأصل.


وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى «التاريخ الكبير» و«الضعفاء» للبخاري بوصفهما كتابين دخلا في حركة العلم العامة، فقرأهما النقاد، واستفادوا منهما، وعارضوهما، واستدركوا عليهما، كما وقع لغيرهما من المصنفات الكبرى.


ويزيد هذا المعنى وضوحًا أن تعقبات الرازيين على البخاري لم تنحصر فيما أُفرد في «أغاليط البخاري في التاريخ الكبير»، بل بقيت لها آثار واسعة في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، حيث يلوح في مواضع كثيرة نظر مباشر في «التاريخ الكبير» ومناقشة لصنيعه في التراجم والأنساب والطبقات. كما يظهر في كلام أبي حاتم تعقب غير قليل على كتاب «الضعفاء» للبخاري.


وهذا كله يدل على أن كتب البخاري لم تكن عند الرازيين مادةً يُنتفع بها فحسب، بل نصوصًا حاضرة في مجلس النقد، تُقرأ وتُقابل وتُستدرك، ويُفرد بعضها بالتصنيف، ويبقى بعضها الآخر مبثوثًا في ثنايا الأجوبة والتراجم.


ومن هنا فإن رواية أبي أحمد الحاكم ـ مهما كان الموقف منها ـ لا تبدو خبرًا عن الرازيين بقدر ما تبدو شاهدًا على وجود حياة علمية كاملة كانت المصنفات فيها تتحرك بين الأئمة، وتُناقش في المجالس، وتصبح جزءًا من الذاكرة العلمية المشتركة.


ولعل السؤال الذي تثيره هذه الرواية في نهاية المطاف ليس: هل أخذ هذا من ذاك؟


وإنما: ماذا كانت تحتوي المكتبة التي كان يتحرك داخلها البخاري؟ وكيف وُلد «التاريخ الكبير» من تلك البيئة العلمية الواسعة؟ ثم كيف عاش الكتاب بعد ذلك في مجالس المحدثين، وانتقل بين الأمصار، ودخل دوائر العرض والمذاكرة والنقد والاستدراك؟


فربما كانت رواية أبي أحمد الحاكم أقلَّ ما تكون خبرًا عن شخصين أو كتابين، وأكثرَ ما تكون شاهدًا على حركة العلم نفسها؛ يوم كانت المصنفات تسافر بين العلماء، وتُقرأ على الأئمة، وتُناقش في المجالس، فتغدو بعد حين جزءًا من الذاكرة العلمية المشتركة.


وحينئذ لا يظهر «التاريخ الكبير» بوصفه كتابًا في أسماء الرجال فحسب، بل بوصفه شاهدًا على مكتبة القرن الثالث من جهة، وعلى الحياة العلمية التي أحاطت بتلك المكتبة من جهة أخرى.


أبو شذا محمود النَّحال

مجموعة المخطوطات الإسلامية

الجمعة، 5 يونيو 2026

ابن حِبّان بين ضياع تراثه وتشكُّل صورته العلمية

 ابن حِبّان بين ضياع تراثه وتشكُّل صورته العلمية

محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

أبو شذا

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

من الملاحظ أن صورة العالم عند المتأخرين لا تتكون دائمًا من مجموع تراثه، بل كثيرًا ما تتكون من القدر الذي بقي متداولًا منه، أو من الكتاب الذي قُدِّر له البقاء دون سواه. ومن هنا لا يكون تاريخ الكتب وتداولها بعيدًا عن تاريخ الأحكام العلمية، بل قد يكون أحد العوامل المؤثرة في نشأتها واستقرارها.


ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بهذه الثلاثية: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم؛ فهؤلاء الأئمة كانوا من أعظم من خدم السنة النبوية جمعًا وترتيبًا ونقدًا، ومع ذلك لم تنل مشاريعهم العلمية من العناية المتأخرة ما يناسب ضخامتها، بل غلبت على كثير من الدارسين أحكامٌ جزئية نشأت – في جانب منها – من طبيعة التراث الذي وصل، لا من حقيقة المشروع العلمي الذي كان.


ولا يرجع ذلك إلى عامل واحد؛ فالشمس الذهبي أحد المؤثرين في هذه السردية، لكنه ليس منشئها الوحيد، بل اشتركت فيها عوامل متعددة، من ضياع الكتب، وتعثر تداولها، وغلبة بعض المصنفات على غيرها، وتلقي المتأخرين لأحكام معينة دون غيرها.


وفيما يتعلق بابن حبان خاصة، فإن من القضايا التي تستحق التأمل أن كثيرًا من الجدل الذي دار حوله في القرون المتأخرة سبقته مرحلة طويلة من غياب أكثر تراثه عن التداول.


ولا شك أن للشمس الذهبي أثرًا ظاهرًا في تكوين الصورة المتأخرة لابن حبان؛ فقد كان واسع الانتشار في أهل الحديث، كثير التأثير فيمن جاء بعده، فانتقلت جملة من أحكامه إلى طبقات متعاقبة من الباحثين والدارسين. غير أن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أنه لم يكن رجلَ مرحلةٍ علمية واحدة؛ فالمتأمل في كتبه يلحظ شيئًا من تطور النظر واتساعه في الحكم على الأئمة، وكثرة اعتذاره لهم في مواضع عديدة.


وقد جمع التليدي طائفة من ذلك في بعض أجزاء «نصب الموائد». كما أن من جاء بعده لم يتفقوا معه في جميع ما ذهب إليه في شأن ابن حبان؛ ومن أبرزهم شيخ وقته الزين العراقي الذي انتصر له في فتواه المشهورة في شرطه، وردَّ بعض الأحكام التي جرى عليها غيره، لا سيما في أثناء «الأمالي على المستدرك».


والذي يظهر أن ابن حبان ابتُلي بعد وفاته بما هو أشد أثرًا من نقد النقاد؛ إذ تعرض تراثه مبكرًا لعوامل ضياع متتابعة، ثم جاءت الفتن والخراب الذي نزل ببلاد الإسلام الشرقية، فضاعت أصول كثيرة من كتبه، حتى صار ما فُقد من مصنفاته أضعاف ما بقي منها.


ويشهد لذلك ما حكاه الخطيب البغدادي في «الجامع» عن مسعود السجزي؛ إذ ذكر تصانيف ابن حبان الكثيرة، ثم سأل الخطيب عن مصيرها، فأجابه بأن أكثرها قد فُقد، ولم يبق منها إلا «النزر اليسير والقدر الحقير». وهذه شهادة مبكرة تكشف أن مشكلة ضياع كتب ابن حبان كانت معروفة منذ القرن الخامس.


بل إن الرواية نفسها تكشف أن ابن حبان لم يكن قد خلَّف كتبًا متفرقة فحسب، وإنما خلَّف مشروعًا علميًّا مجموعًا في دارٍ أوقفها على كتبه وسبَّلها للناس. وقد علل السجزي ضياع ذلك التراث بضعف السلطان واستيلاء ذوي العبث والفساد على تلك النواحي، في حين أبدى الخطيب عجبَه من عدم تنافس أهل العلم في نسخ تلك المصنفات الجليلة وإشاعتها بين الناس. وهذه الإشارات المبكرة تساعد على تفسير جانب من المصير الذي آل إليه تراث ابن حبان بعد وفاته.


ومع ذلك فإن آثار تلك الكتب لم تنقطع بالكلية؛ فابن السمعاني في «الأنساب» يكثر من النقل عن «الثقات» مع قلة تصريحه باسم ابن حبان، والحاكم ينقل من «المجروحين» في مواضع متعددة دون عزو صريح، وابن فاخر السجزي في «المنتخب من السبعيات» حشد طائفة من أقوال ابن حبان من غير نسبة واضحة إلا في مواضع معدودة.


ثم لا تكاد آثار كتب ابن حبان تظهر من جديد إلا في القرن السادس؛ فتظهر نقولات من «الثقات» عند شيخ وقته عبد الغني المقدسي في «الكمال»، في حين كان «المجروحين» هو الكتاب الأشهر حضورًا بين العلماء. ولعل هذا يفسر أن كثيرًا من المآخذ المشهورة على ابن حبان تشكلت من خلال قراءة «المجروحين» خاصة؛ كما يظهر في كلام الضياء المقدسي، وابن الصلاح، وغيرهما.


وربما كان لبعض تعقبات الدارقطني المبكرة على ابن حبان في «المجروحين» أثرٌ في ترسيخ جانب من هذه النظرة وانتقالها إلى طائفة من المتأخرين، لا سيما مع شيوع الكتاب وتداولِه في الأوساط الحديثية أكثر من غيره من مصنفات ابن حبان.


ثم أخذت بقية كتبه تخرج من الظل شيئًا فشيئًا؛ فظهر «الصحيح» في عصر ابن دقيق العيد، وكثرت الإفادة من «الثقات» عند العلاء مغلطاي، حتى وصلنا إلى عصر الشمس بن عبد الهادي محمد، حيث نجده في «الصارم المنكي» يتعقب التقي السبكي في الاحتجاج بتوثيق ابن حبان، مستندًا إلى أمثلة لمن وثقهم ابن حبان ثم قال في بعضهم: لا أعرفه، أو لا يُدرى من هو ومن أبوه.


ومن هنا يلوح أن جانبًا غير يسير من الجدل المتأخر حول ابن حبان لم ينشأ من مجرد النظر في منهجه، بل من طبيعة التراث الذي وصل إلينا منه؛ إذ سبق «المجروحين» غيرَه إلى أيدي العلماء، وتأخر ظهور بقية كتبه، فتكوَّنت صورة الرجل عند كثير من المتأخرين من خلال كتاب واحد أكثر مما تكوَّنت من مجموع مشروعه العلمي.


ولعل هذا من أهم ما ينبغي استحضاره عند دراسة ابن حبان والحكم على مشروعه العلمي.


وهذه القضية لا تخص ابن حبان وحده، بل تمثل مدخلًا لفهم جانب من تاريخ العلوم الإسلامية؛ إذ ليس كل حكمٍ اشتهر بين المتأخرين نشأ عن استقراءٍ كامل لتراث صاحبه، بل ربما تشكلت صورة العالم من الكتاب الذي نجا، لا من الكتب التي فُقدت، ومن الجزء الذي وصل، لا من المشروع الذي اندرس.


ومن هنا فإن دراسة تاريخ بقاء الكتب وضياعها ليست مسألة تتعلق بتاريخ المصنفات وحده، بل هي جزء من تاريخ تكوُّن الأحكام العلمية نفسها؛ لأن الأجيال كثيرًا ما حكمت على العلماء بما وصل من آثارهم، لا بما كان عندهم في الحقيقة.


وإذا كانت صورة ابن حبان قد تشكلت عند كثير من المتأخرين من خلال كتاب واحد سبق غيره إلى التداول، فكم من إمامٍ آخر حكمت عليه الأجيال بما بقي من تراثه لا بما خلَّفه في الحقيقة؟ 


وكم من مشروع علمي ضخم غاب أكثره عن الأنظار، ثم تولدت الأحكام على صاحبه من الجزء اليسير الذي نجا من الضياع؟ 

وهل يمكن كتابة تاريخ علوم الحديث بمعزل عن تاريخ بقاء الكتب وفقدها؟


محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

أبو شذا

مجموعة المخطوطات الإسلامية


السبت، 30 أغسطس 2025

هل كل مخطوط جدير بالتحقيق؟ (نسخة مختصرة).

 هل كل مخطوط جدير بالتحقيق؟

(نسخة مختصرة)

أ. أبو شذا محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال

الحمد لله وحده، وبعد:

فلا ريب أن وجود مخطوط غير محقق في أي علم من العلوم ليس أمرًا نادرًا، لكنّ قيمته الحقيقية لا تتوقف على كونه مفقودًا أو مجهولًا، بل ترتبط بعوامل جوهرية: مكانة المؤلف، وسياق عصره، وأثر الكتاب في تراث العلم الذي ينتمي إليه.

والعلوم بطبيعتها تميل إلى التركيز، والانتخاب، والاستقرار على نصوص بعينها، تُصبح عمدتها وأمات مصادرها. 

وفي كل جيل يُهجر عدد من الكتب، ويُعتمد عدد آخر بحسب الحاجة العلمية والتداول العلمي.

- ففي علم الحديث تراجعت مؤلفات يحيى بن معين، والقطان، وابن مهدي، وابن المديني حتى ما نُقل عن الإمام أحمد، لصالح مصنفات الذهبي وابن حجر.

- وفي الفقه أُهملت تعليقات ابن سريج، وأبي الطيب، والقاضي حسين، وأبي يعلى، ليبرز في مقابلها ما ألفه ابن حجر الهيتمي، والرملي، والمرداوي، والفتوحي.

- أما علوم اللغة فقلّ الرجوع إلى "العين" لليث، وكتب الأزهري وابن دريد، وابن سيده وبرزت المختصرات الجامعة مثل "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس" للزبيدي، وغُيّبت كتب مركزية كـ"الغريب" لأبي عبيد، والقُتيبي، وأبي موسى، والهروي لصالح "النهاية" لابن الأثير.

وإذا تقرر ما سبق، فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمصادر طُمست أو حُجبت، لا لضعفها، بل لانحسار تداولها. 

وقيمة أي مخطوط لا تُقاس بكونه مفقودًا أو نادرًا فقط، بل بدرجة الحاجة إليه، ومقدار الإضافة التي يحملها. 

والموفق من رزق عينًا بصيرة تميز ما يُرجى منه نفع، وما طواه الإجماع العلمي عن استحقاق. 

(أبو شذا).

الخميس، 8 مايو 2025

أهمية «المُسْتدرك الجامع الصَّحيح على شرط الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري أو واحد منهما مما لم يخرجاه» للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري

 أهمية «المُسْتدرك الجامع الصَّحيح على شرط الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري أو واحد منهما مما لم يخرجاه» للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري


لا تقف معرفة قيمة أي كتاب عند بُعْد صِيته، وذيوع خبره، واشتهار أمره، بل ربما لم تكن هذه الأمور تقييمًا صادقًا لأهمية كتابٍ ما، وإنما تظهر قِيمة الكتاب في خدمته من قِبَل العلماء، ومدى إعجاب المتخصِّصين به.

فالكتاب إذا كان طريفًا في موضوعه، جديدًا في بنائه، فإنه يثير فضول الباحثين، فيتعرضون له إما بالنَّقد، أو بالاستدراك، أو بالشَّرح والبيان لما غَمض منه، أو بالتَّذييل عليه فيما أغفله، أو بِرَدِّ بعض محتوياته.

وهذا «المُستدرك على الصَّحيحين» لأبي عبد الله الحاكم، كم من طاقات جُنِّدت لتتبُّعه وتَرَصُّده، فكُتِبَتْ حوله العديد من الكتب المتنوعة.. واستمر فيه الأخذ والرد.

وسأذكر طُرفًا من مزايا «المُستدرك»، ثم أُتْبِعه بذكر عناية العلماء به؛ ليُستدَلَّ به على عِظَم أهمية الكتاب، ولعل أنظار الباحثين تتَّجه إلى دراسته، والاستفادة منه من منظور مختلف.

ومن أجلِّ الفوائد التي ذكرها مغلطاي الحافظ حول شرط الحاكم في «مُسْتدركه»، ويمكن الاعتذار بها عن الكثير من الأوهام التي ألحقها الباحثون بأبي عبد الله، وحطت من قدر «مستدركه»: .. وقول الحاكم فيه: «صحيح على شرط مسلم» غير جيد؛ لأن المطلب وجده ليسَا في كتاب مسلم، إنما هما في كتاب الترمذي فقط؛ اللهم إلا أن يُريد أنهم كرجال مسلم في الثقة على ما ذكره في ديباجة كتابه فلا إيراد عليه.


من أهم مزايا «مُسْتدرك أبي عبد الله» ما تضمَّنه من:

- نُقولاتٍ مُسْندة عن كُتُب نفيسة فُقِد أغلبُها، حتى أصبحنا نأخذ النَّص وكأننا نرى المصدر الذي استُقِي منه، كـ: 

«الجامع» لسُفيان الثَّوري، رواية العدني.

«المُسْند» لأحمد بن حَازم بن أبي غَرَزَةَ.

«المُسْند» لمسدَّد بن مسَرْهَد، رواية مُعاذ بن المثنى. 

«المُسْند» لعلي بن حمشاذ العدل.

والعديد من كُتب عَبْد الله بن المبارك

 وكتب عَبْد الله بن وهب المصريِّ.

«حديث سَعدان بن نصر»، رواية الرَّزاز.

«حديث سُفيان بن عُيينة»، رواية علي بن حرب الطَّائي.

والعديد من أجزاء أحاديث مشايخه كـ:

أبي بكر الصِّبْغيّ.

وأبي العباس الأصم.

وأبي بكر النَّجاد.

وهذه الأجزاء لو كُتِبَت بماء الذَّهب لكان قليلًا في حقِّها؛ لشرفها وعُلُوِّ سندها.

- النَّقل عن كثير من كُتب إمام الصنعة علي بن عَبْد الله المَدِيني، وقد وقع للحاكم غير ما كتاب منها؛ خاصة كتبه المصنَّفة في العلل.

- وكذا النَّقل عن مصنفات مسلم في العلل، كـ «ما أخطأ فيه مَعْمر بالبصرة».

- نُقُولات عن كتبٍ وصلتنا، ولكن المطبوع منها يعتريه بعض النَّقص، كـ «التَّاريخ عن أبي زكريا ابن معين»، رواية الدُّوري عباس.

- تَصْويبات لعشرات المواضع المحرفة التي اقتبسها البيهقيُّ من هذا الكتاب، ورواها في «الخلافيات».

- عشرات النُّصوص المخرَّجة عند الشَّيخين، لكن بتغيير في بعض صِيَغ الأداء والتَّحمل، أو زيادة في المعنى.

- مئات الأحكام على الأحاديث من ناحية الصِّحة والضَّعف، والقبول والرَّد.

- أحكام الحاكم على الرُّواة بالجرح والتَّعديل، وتُقَدَّر بالمئات.

- ذِكْر مذاهب كبار النُّقاد في قبول الأحاديث ورفضها، كـ:

مذهب أبي سَعيد عبد الرحمن بن مهدي في المسامحة في أسانيد فضائل الأعمال.

- مذاهب الرواة الذين لا يُحدِّثون إلا عن ثقة؛ كزائدة بن قدامة.

- المناظرات العلمية بين كبار المحدِّثين؛ كمناظرة الوضوء مِن مَسِّ الذَّكَر التي جرت في مَسْجد الخَيْف بين أساطين النُّقَّاد: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين.

- بيان مذهب الشَّيخين؛ في كون تفسير الصَّحابي الذي شهد الوحي والتَّنزيل عندهما حديثًا مُسْندًا.

- الإبانة عن مذاهب الشَّيخين في تَرْك تخريج بعض الأحاديث؛ للعلل الواقعة فيها، وبيان هذه العلل.

- أبواب لم يُخرِّج الشَّيخان فيها شيئًا من الأحاديث.

- اقتباس مئات النُّصوص المسندة، والحكم على سندها صحةً وضعفًا، كـ «المُسْند» لأحمد بن حنبل.

و«المصنف» لعبد الرزاق، رواية الدبري.

و«التَّفسير» لآدم بن أبي إياس، أو «تفسير ورقاء، عن ابن أبي نجيح» المطبوع باسم «تفسير مجاهد».

- ذِكْر أوجه الخلاف على الرُّواة بسند الحاكم، وبيان الراجح والمرجوح منها.

- حِفظ أقوال في الجرح والتعديل عن كبار الأئمة، وهي من الأهمية بمكان، لا سِيما أن المصدر التي اقتبس منها لم يصلنا.

- قواعد حديثية نادرة، نحو تعليق الحاكم على قول إبراهيم بن هانئ، قال: قال لنا أبو اليمان: «الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حُسين غلطتُ فيه بورقة قلبتُها».

فقال الحاكم: «هذا كالأخذ باليد؛ فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون». (مستمد من ديباجة أبي شذا للمستدرك ط. المنهاج القويم)؛ بتصرف.


أ. أبو شذا محمود النحال

مجموعة المخطوطات الإسلامية

الجمعة، 17 يناير 2025

نبذة عن طبعة دار الفتح للآلئ المصنوعة للسيوطي تحقيق: محمود النَّحال

 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

يسرُّنا في مجموعة المخطوطات الإسلامية

أن نتقدَّم إلى متابعيها الكرام من أساتذة وطلاب علم

بهذا المقال لعضو المجموعة فضيلة الشيخ البحاثة المحقق:

أبي شذا محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال بمناسبة إصدار تحقيقه لكتاب اللآلئ المصنوعة

للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى.

تفضلوا بالتَّحميل بالضغط على هذه صورة الكتاب





الأحد، 10 ديسمبر 2023

كتب المذاهب الفقهية بين المطبوع والمخطوط

 كتب المذاهب الفقهية بين المطبوع والمخطوط

للأستاذ: أبي شذا محمود بن عبد الفتاح النّحال -حفظه الله-

الحمد لله وحده وبعد:

فثم عشرات الكتب الفقهية المخطوطة التي لم تحقق وسائرها متقدمة وتشمل علوم مذاهب الأئمة الأربعة التي تدور عليهم الفتوى في شرائع الإسلام..

والعلة في ذلك أن مذاهب الأئمة المتبوعين قد مرت بمراحل تطوير وتحرير كما لا يخفى 

وأغلب المراحل المتقدمة والمتعلقة بتأسيس كل مذهب تم تجميدها وانصرفت الجهود لإخراج المعتمد من كل مذهب لا سيما الكتب التي عليها مدار الفتوى والقضاء والتدريس .

فترى الحنابلة لا يعولون إلا على كتب العلاء المرداوي والحجاوي وابن النجار، وبعضم يتخذ كتب شارح المذهب البُهُوتي عكازة لا سيما شرح الزاد وشرح المنتهى وكشاف القناع،

وأما أغلب تواليف المتقدمين منهم فقد اندرست أو جمدت، لكن جاء الشيخ مصطفى الحنبلي (أبو جنّة مصطفى القباني الحنبلي) واعتنى بخدمة تواليف المراحل المتقدمة لا سيما كتب القاضي أبي يعلى الحنبلي وزاد المسافر لغلام الخلال وبعض تواليف أبي بكر الخلال مثل الطبقات. 

وصارت دور النشر كفرسي رهان في تبني طباعة مثل هذه الكتب بداية من دار الصميعي ثم الأوراق الثقافية ثم المنهاج القويم ثم مركز الملك فيصل ثم أروقة ونهاية دار مسك.

ومع هذا فثم أعلاق حنبلية لم تر النور بعد أعجبها بقية مسائل حرب الكرماني وهي من أصول مكتبة الشيخ زهير الشاويش ويوجد منها مصورة في خزائن الجامعات بالمملكة العربية السعودية لا سيما جامعة الإمام محمد بن السعود؛ وتشمل على كتب فقهية كثيرة لم تطبع -نعم طبعت أجزاء بتحقيق بعض الفضلاء الفريان والسريع وغيرهما- هذا بجانب فقدان أغلب جامع الخلال وتفرقه أيدي سبا في المكتبات بل ما وصلني منه وحقق فتفرق دمه بين المكتبات ففي دار الصحابة بطنطا طبعت قطعة من القراءة عند القبور 

وفي مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب طبع قطعة الحث على التجارة 

وغيره وفي مكتبة الصحابة بالشارقة طبع قطعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 

وفي معارف الرياض طبعت أجزاء عديدة منها الترجل ومنها أحكام أهل الملل وغيره ومنها أجزاء مخطوطة لم تطبع بعد وكاد القاضي أن يستوعبه في تواليفه لا سيما التعليق الكبير.

وترى الشافعية لا يعولون إلا على تواليف الرملي وابن حجر الهيتمي والخطيب الشربيني وزكريا الأنصاري نعم وكتب الشيخين قبلهما الرافعي والنووي والتواليف التي قبل الشيخين مجمدة لا يجوز الفتوى منها إلا لمتبحر فغَمَرَت رياسة الرملي والهيتمي رياسة أبي حامد الإسفراييني والقفال وأبي الطيب الطبري وابن الصباغ والقاضي حسين والماوردي والجويني والغزالي وإليكا وعشرات الكتب المتقدمة التي لم تر النور بعد. 

ومع جهود دار منهاج جدة في خدمة تواليف الشافعية لكن بقيت الأمات مجمدة ونحمد الله على خروج التعليقة لأبي الطيب الطبري وكذلك التعليقة عن الإسفراييني. 

وترى الأحناف لا يعولون إلا على حاشية ابن عابدين وغيرها وبقيت أمات عديدة لم تر النور بعد نعم دار الرياحين الصاعدة لها جهود طيبة في خدمة أمات المذهب الحنفي حتى أنها أخرجت تواليف لم نرها من قبل -ولا حتى في النوم لا سيما التقريب للقدوري بل عشنا حتى رأينا كتاب الزيادات للشيباني مطبوعًا مفردًا.

ورأينا العديد من شروح الكتاب للقدوري لا سيما في دار المنهاج القويم بسوريا ولا يخفى عناية مكتبة الإرشاد باسطنبول بتواليف الأحناف وكذا دار اللباب.

وترى المالكية يعولون على متن الإمام خليل الجندي وشرحه للحطاب نعم انتبه الدكتور أحمد نجيب للكتب المجمدة فأخرها وقرت العيون برؤية الأمات 

ولا يخفى عناية موراني بكتب الأسمعة وأمات أصحاب مالك فأخرج ما ظفر به من موطأ ابن وهب في قطعتين وقطعة من موطأ مالك رواية ابن قاسم تعود إلى عهد سحنون وقد شاهدها العبدري في رحلته وأشاد بها.

وكذلك أخرج ما ظفر به من واضحة ابن حبيب والحج من العتبية وفي المغرب مختصر الواضحة ولم يطبع بعد وعليه معول جمع من المالكية 

ولا تزل أجزاء من العتبية في المكتبة الفرنسية بباريس تتوسل  المحققين لخدمتها وعليها تملك جزائري ومتاحة بموقعهم نعم ابن رشد شرحها في البيان والتحصيل وتضمن متنها لكن مع المقارنة وجدت اختلافات كثيرة بين نسخته وقطعة القيروان كما نص ملكوش 

والحمد لله أننا عشنا حتى رأينا الحج من مدونة أشهب المصري وبقيت أجزاء في القيروان لم تر النور. 

والله المستعان.

الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

«مختصر سنن الإمام أبي داود السجستاني» للإمام الحافظ عبد العظيم المنذري (ت656ه)

 «مختصر سنن الإمام أبي داود السجستاني» للإمام الحافظ عبد العظيم المنذري (ت656ه)

(أبو شذا النحال)

- مكانة كتاب «السنن» لأبي داود:

يعد كتاب «السنن»، لأبي داود السجستاني (ت275ه) رحمه الله، من كتب الإسلام بالموضع الذي خصه الله به، فهو كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، على اختلاف مذاهبهم، وعليه معول أهل العراق، وأهل مصر، وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض.

فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحقون، وقد جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وطرح أحاديث المجروحين والضعفاء، حتى استحق أن يكون بالمنزلة الثالثة بين كتب السنة الستة.



- اهتمام العلماء ب«كتاب السنن» لأبي داود:

لقد أطنب العلماء في وصف «كتاب السنن»، والثناء عليه، وأكثروا النظر فيه وإليه، وتنافسوا في العناية به، وعلى هذا فقد تعددت مجالات الاهتمام به، والعناية بمحتواه؛ فمن العلماء من ألف في رجاله خاصة، ومنهم من سعى في إيضاح مخبآت معانيه، وشرح وجوه دلالاته، وكشف ما أغلق من أسانيده.

فكتب عليه الإمام أبو سليمان الخطابي «معالم السنن».

وشرع في شرحه أبو زكريا النووي؛ فكتب من أوله كراريس أودعها السراج ابن رسلان برمتها أول شرحه.

والعلاء مغلطاي شرع في شرح لم يكمله.

وكذا القاضي سعد الدين مسعود الحارثي الحنبلي، وما كمل أيضا.

والشهاب أبو محمود المقدسي الذي كتب منه مجلدا لطيفا.

والولي أحمد ابن العراقي؛ الذي شرع في شرحه والتعليق عليه، فكتب فيه سبعة مجلدات من أوله إلى (سجود السهو)، سوى قطعة من (الحج)، ومن (الصيام)، وقد أطال فيه النفس إلا أنه لم يكمله، ولم يهذبه، وهو من أوائل تصنيفاته.

والشهاب ابن رسلان، وأكمله.

والسراج ابن الملقن الذي شرح زوائده على «الصحيحين» في مجلدين، غير أنه لم يبذل فيه مزيد جهد.

وعمل عليه مستخرجات كل من: محمد بن عبد الملك بن أيمن الأندلسي، وأبي بكر أحمد بن علي ابن منجويه الأصبهاني الحافظ، وقاسم بن أصبغ القرطبي.

وأفرد رجاله أبو علي الغساني، وغيره.

الخميس، 21 أكتوبر 2021

وجود الضرب بنسخة المؤلِّف وغيابه عن نسخة بخط تلميذه

وجود الضرب بنسخة المؤلِّف، وغيابه عن نسخة بخط تلميذه 

أبو شذا محمود النحال

 

تُعَدُّ مسألة الضرب على الخط في المخطوطات القديمة من المسائل المهمة التَّي تتعلَّق بعِلم ضبط النصوص، والتي يجب أن تنال حظًّا من اهتمام المحقِّق المدقِّق؛ ذلك أن السهو عنها قد يُدخِل في نص المؤلِّف ما لم يُرِدْهُ؛ من أمرٍ تراجَعَ عنه، أو سَهَا به القلم.

ويُحدَّد المضروب عليه في المخطوط إما بطمسه بالقلم .. أو بطرق أخرى مدونة في تصانيف الأئمة.

وقد وقع هذا الصنيع في غير ما تأليف من تصانيف الأئمة، وقد طالعتُ عليها غير ما كتابٍ؛ لمعرفة حُكْم قراءةِ المضروبِ عليه، وقد ذَكَرَ حُكمَها بَعْضُ العلماء في مبحث (الكَشْط والمَحْو والضَّرْب).

 

حكم قراءة المضروب عليه:

يقول البدرُ الزَّرْكَشِيُّ في «النُّكَت على معرفة الأنواع» (3/ 1182) أن الحافظ اليَغْمُوريَّ نقل عن بعض العلماء: «قراءةُ السطر المضروب خِيانةٌ».

وهو ظاهر ما رواه أبو بكر الحافظ فِي «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 278) من جهة عبدِ الله بن المُعْتَزِّ أنه قال: «من قرأ سطرًا قد ضُرِبَ عليه من كتابٍ فقد خانَ؛ لأن الخطَّ يخزُن -أي: يمنع أو يُخبئ أو يُخفي-عنه ما تحته».

ونَقْلُ الزركشي في «نُكَتِه على التَّقيِّ أبي عَمْرو» عن اليَغْمُوريِّ غاية في الأهمية، وأحسب أن السخاوي الشمس فِي «فتح المغيث» (3/ 76) ما اهتدى إليه إلا بوساطة الزركشي؛ على ما بَيَّنْتُه في (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي فوائد وروافد) بـ «السوانح».

وهذا النَّقلُ لا يُوجد في الطبعة الأولى بـ «النُّكَت على ابن الصلاح» للبدر، لكنه مُثْبَت في الطبعة الثانية، وكلاهما من منشورات (مكتبة أضواء السلف) برياض نجد.

ومن مناهج المُستشرقِينَ في ضبط النص: إثباتُ المضروب عليه، وفي محاضرة بعنوان (مدخل إلى تحقيق المخطوطات) للدكتور بشار عوَّاد الدقيقة (1.15) تقريبًا، سأل د. أحمد الدُّبيَّان د. بشارًا عن منهج البعض في قراءة المضروبِ عليه؟

فلم يذكر جوابًا ...

 

* فوائد النظر في المضروب عليه:

مع ما سبق من أن قراءة المضروب خيانة إلا أن الرجوع إلى المسوَّدة، والنظر في المضروب عليه فيه فوائد، منها:

- التنبيهُ على الأوهام التي عَدَلَ عنها المُصنِّفُ.

-معرفة بعض الآراء التي تراجَعَ عنها.

وقد وُجِدَ هذا في كلام حافظ وقته الزين العراقي، وتلميذه الشهاب ابن حجر الحافظ؛ حيث نبَّهَا على بعض تراجُعات الذهبي الشمس فِي «الميزان».

وهذا ابن حجر الشهاب في «ذيل التِّبيان...» في تراجم الحُفَّاظ قد التقط الكثير من التراجم التي ذكرها الذهبي في مسوَّدة «تذكرة الحُفَّاظِ»، وهذه التراجم لا نقف عليها في المطبوع من «التذكرة».

والنظر في صَنِيع الذهبي بحذف هذه التراجم مما يَحْسُنُ.

وهذا التَّقي الفاسي صنع ترجمة للعلامة مُغْلَطاي تُعَدُّ من أحفل التراجم التي وقفت عليها للعلاء الحنفي، وقد التقط فوائد كثيرة من مسوَّدة العراقي الزين بـ «الذيل على العِبَر»، وهذه الفوائد لا نقف عليها بالمطبوع، ولا أعلم سبب عدول الحافظ عبد الرحيم عنها.

وهذه الظاهرة واضحة بـ «تهذيب التهذيب» للشهاب ابن حجر الحافظ، لا سيما النُّسَخ الخطية التي اعتمد عليها علماء الدولة الآصفية في تحقيق الكتاب، فثَمَّ مئات المواضع التي وهم فيها الحافظ ابن حجر، وكان متابعًا فيها العلاء مغلطاي وغيره، لكن الحافظ بعد تجدُّد النظر والبحث ظهر له وجه الصواب، فضرب عليها، وكان قد مَكَّن تلامذته من انتساخ نسخةً غير محرَّرة، وصارت الرُّكْبان بهذه النُّسَخ.

وهذا السخاوي الشمس في بعض تصانيفه يحكي أشياء عن الشهاب الحافظ بـ «تهذيب التهذيب»، ثم يقول: «قد رجع عنه شيخنا، حيث رأيته ضَرَبَ عليه بخطه الذي لا أرتاب فيه».

وهذا «تَهْذيب المزي للكمال في أسماء الرجال لشيخ وقته عبد الغني المقدسي»، أخذ عليه العلاء مُغْلَطاي مآخِذ عديدة، لا سيما في النُّسخة التي كتبها ابن المهندس، فدافع عنه ابن حجر بأنه وجد المزِّي ضرب عليها في النسخة التي بخطه.

ففي «تهذيب الكمال» يقول المزي: «إسماعيلُ بن إبراهيم الكرابيسيُّ، روى عنه بكرُ بن أحمد بن مُقبِل الحافظ البصريُّ».

فتعقَّبه مغلطاي قائلًا: «فيه نظر؛ لأن ابنَ قانع وغيرَهُ ذكروا أن بَكْرًا هذا تُوفِّي سنة أربع وثلاثمِائَة، وإسماعيلُ حكى المِزِّيُّ وفاتَه سَنةَ أربع وتسعين ومِائَةٍ، فعلى هذا تبعدُ روايتُهُ عنهُ مُشافهةً».

فكَتَبَ الشهاب ابن حجر الحافظ حاشيةً بخطه على أصل مغلطاي بـ «إكمال تهذيب المزي»: «قد رجع المزي عن ذلك قديمًا، وضرب عليه في أصله، وبَيَّنَ أن رواية بكر عنه بواسطة».

ومما يحسن الإشارة إليه أن الأجزاء التي بخط المزي وتشتمل على هذه الترجمة لم تُعتمد في المطبوع، والوهم مثبت فيها.

 فثبت من هذا أن الضرب على الوهم رفع الحرج عن المؤلف، ولو لم يتنبَّه اللاحق للضرب لأثبت للمؤلف ما ليس من رأيه.