قَبَسٌ مِنْ نُورِ الشِّفَا
أ.د. عبد الرّزاق مرزوك
مجموعة المخطوطات الإسلامية
لكل كتاب ذي بال مُسعِفات تصديق، رابطة بسبيل الحتْم والتوثيق، بين اسمه الذي سماه به صاحبه، وبين مُجمَل مضامينه ومُفصَّلها، تفتأ، كلما طالعتَ منها مضمونا، تجدُ لما بينه وبين ذلك الاسم برهانا معلَنا أو مكنونا.
فالمجمل كأسماء الأقسام والأبواب والفصول، وخلاصاتها، وما يتخللها من نصوص التعليل والاستنتاج، وهو أعسر على الباحث في إبصار أمارات التطابق، واستحثاث مناسبات الوصل والتوافق.
والمفصَّل سائرُ المضامين الجاريات استولادا واستشهادا واستطرادا، وهو أعسر على مؤلف الكتاب في صيانة مناطات التطابق، عن آفة النُّشوز والتفارُق.
قيدت هذا متأملا قول القاضي عياض رحمه الله – لما ذكر أثناء مقدمة شفاه، أسماء أقسامه وأبوابه وفصوله جلية مستوفاة -: «القسم الثالث: فيما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم، وما يجوز عليه، وما يمتنع، ويصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه.
وهذا القسم - أكرمك الله تعالى - هو سر الكتاب، ولباب ثمرة هذه الأبواب، وما قبله له كالقواعد والتمهيدات والدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات، وهو الحاكم على ما بعده، والمنجز من غرض هذا التأليف وعده.
وعند التقصي لموعدته، والتقصي عن عهدته، يَشْرَق صدر العدو اللعين، ويُشْرِق قلب المؤمن باليقين، وتملأ أنواره حوائج صدره، ويقدر العاقل النبي حق قدره».
وإنما اخترت النص المعروض، مُفرِدا مِن دوحة «الشفا» هذه العَروض، من أجل الدلالة على جملة شؤون:
الأول: ما يحتاج إليه الباحث من الوقوف على مقصد عنوان «الشفا» خلال كلام مؤلِّفه نفسه، واستخراجُه على مثل هذا النحو – كما تعلم - خير من تأوله ما دام مبيَّنا، وأنت أدرى أيضا أن قَبِيل أسماء مثل هذا الكتاب إنما يقع من أصحابها محسوبَ التقرير، صميمَ الفَرْي والتقدير، فتطلب مقاصدها خلال نصوص مؤلَّفاتهم سبيل رشد متين، وأمارة إبصار مبين.
الثاني: ما يُشرق به مصطلح «الحُقُوق النَّبَوِيَّة» من نور بيان مبدِعه القاضي عياض رضي الله عنه، وأنت تعلم أنه مصطلحٌ بِكر من مصطلحات السيرة النبوية الشريفة، واسم من أسماء علومها السميّة المنيفة، ففي كلامه المترجِم للقسم الثالث ما يعينك على تبيين هذا المصطلح اللطيف وتحريره، ورفع قاعدة اعتباره وتقريره.
الثالث: ما تُبصر بمَدِّه – أيدك الله – مناطات التوقير لنبيك الخاتم عليه السلام، وأن منها ما يجري منك على جهة الترك لناقضه، لطيف الشهود لحكمة فارضه، ألا ترى أنه ترجمة القسم الأول: «فِي تعظيم العليّ الأعلَى، لقَدْر هذا النبي قولا وفعلا»، وأن ترجمة القسم الثاني: «فيما يجب على الأَنام، من حقوقه عليه السلام»، فقِسهُما إلى ترجمة القسم الثالث يَبْدُ لك فرق ما ذكرت، وأنه برهان الفرقان بين وليِّ النبي الصادق، وعدوه الزنديق المنافق، فالأول مشرق الجَنان بنور ثباته، والثاني مكشوف ما يخفي من خبث نيَّاته.
ومن دون هذه الثلاثة الشؤون، أخرى سواها تلقيها سوانح الشجون، لو أن الوقت باستيعابها لم يضِقْ، فعسى مناسبة قابلة تتسع لإجابتها وتتفق، والله الموفق لا هادي سواه.
