رحلة الصحيح قبل أن يُكتب
(أبو شذا النحّال)
لا تبدأ الكتب العظيمة يوم يضع مؤلفوها أسماءها على صفحاتها الأولى، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة وربما بعقود، في مجالس السماع، ورحلات الطلب، ومكتبات الشيوخ، والكتب التي تشكل عقل المصنف وتبني أدواته في النظر والاختيار.
ومن هذا الباب فإن «الجامع الصحيح» للإمام البخاري لا يُفهم فهمًا كاملًا إذا نُظر إليه بوصفه كتابًا مكتملًا ظهر دفعة واحدة، بل يحتاج الناظر إلى الرجوع خطوة إلى الوراء، والبحث في الينابيع التي صدر عنها، والكتب التي غذّت مادته، والبيئات العلمية التي أسهمت في تكوينه.
وقبل ظهور «الجامع الصحيح» كان «موطأ» الإمام مالك يتربع على مكانة لا تكاد تضاهى في الأمصار الإسلامية. فقد اجتمع له من القبول والانتشار ما جعله المرجع الأكبر في الحديث والفقه عند طبقات واسعة من أهل العلم، حتى شاع عند طائفة من أهل المذهب أن الإمام مالك انتخبه من مادة حديثية أوسع بكثير، ظل يراجعها ويهذبها حتى استقر على الصورة التي وصلت إلينا.
ولم يكن البخاري بعيدًا عن هذا العالم، بل كان شديد العناية بحديث مالك، حريصًا على سماعه من طرق متعددة ومن جماعة من أصحابه. ومن يتأمل «الجامع الصحيح» يلحظ كثافة حضور الموطأ فيه، حتى قال التقي بن تيمية إن البخاري إذا وجد في الباب حديثًا لمالك جعله في مقدمة ما يورده من الروايات. وليس ذلك مجرد تفضيل لرواية بعينها، بل شاهد على المكانة التي احتلها الموطأ في البناء العلمي الذي نشأ فيه البخاري.
غير أن الموطأ ـ مع جلالته ـ لم يكن يستوعب جميع ما صح عند أهل العلم، ولا جميع ما تفرق في الأمصار من السنن والآثار. وهنا تبدأ مرحلة أخرى من القصة.
فإذا تتبعنا شيوخ البخاري، ونظرنا في البلدان التي رحل إليها، ظهر لنا أن الصحيح لم يكن ثمرة بيئة واحدة، بل حصيلة رحلة واسعة بين مدارس الحديث المختلفة. وقد عني الحافظ ابن حجر في «هداية الساري لسيرة البخاري» بترتيب شيوخ البخاري على البلدان، وهو عمل يكشف مقدار ما أسهمت به الأمصار الإسلامية في تكوين مادة الصحيح.
فكل مصر دخله البخاري كان يمثل خزانة حديثية مستقلة؛ له شيوخه، ومروياته، وطرائق أهله في الحفظ والرواية. ولم يكن البخاري مجرد جامع لما يسمع، بل كان ينتقي من كل بيئة أصح ما عندها، ثم يضم ذلك إلى ما حصله من سائر الأمصار.
ومن هنا لا يعود «الجامع الصحيح» مجرد كتاب صنفه البخاري من مروياته الخاصة، بل يصبح ملتقى لمدارس الحديث في القرن الثالث، ومرآةً لحركة الرواية في العالم الإسلامي يومئذ.
ويبدو للناظر أن «المصنف» لشيخه أبي بكر بن أبي شيبة كان من أهم الأعمدة التي قام عليها بناء «الجامع الصحيح»
فكما أفاد البخاري من الموطأ في جانب من مادته، أفاد من المصنف في استحضار آثار الصحابة والتابعين، ومذاهب فقهاء الأمصار، والروايات التي كانت تدور في البيئة العراقية خاصة.
ولم يكن «مصنف ابن أبي شيبة» المورد الوحيد من هذا الباب، بل يلوح للناظر أثر «مصنف عبد الرزاق الصنعاني» أيضًا، وهو الكتاب الذي وصفه الذهبي بأنه «خِزانة علم».
وقد كانت منزلة عبد الرزاق عند أئمة الحديث عظيمة؛ فرحل إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم من أئمة عصره، وسمعوا منه كتبه ومصنفاته.
ثم انتقل شيء من هذا التراث إلى البخاري بواسطة شيوخه؛ فهو يروي عن عبد الرزاق من طريق إسحاق بن راهويه، كما يروي عنه من غير هذا الطريق أيضًا.
ومن هنا لا يبدو «مصنف عبد الرزاق» كتابًا سابقًا للصحيح فحسب، بل أحد الدواوين التي دارت في أوساط شيوخ البخاري، وانتقل شيء من مادتها العلمية إلى الجيل الذي خرج منه «الجامع الصحيح».
وليس هذا أمرًا خاصًا بالصحيح وحده، بل يظهر أثره أيضًا في سائر أعمال البخاري. فمن يتأمل «التاريخ الكبير» يلحظ مقدار الإفادة من كتب علي بن المديني، والفلاس، وخليفة بن خياط، وغيرهم من أئمة عصره.
وذلك يدل على أنه لم يكن يبدأ من فراغ، بل كان ينطلق من تراث واسع سابق عليه، ثم يعيد ترتيبه وصياغته وفق رؤيته الخاصة. ولهذا فإن دراسة موارد «الجامع الصحيح» ليست بحثًا في الهوامش، بل طريق لفهم الكتاب نفسه.
فمعرفة ما تلقاه البخاري عن الحجازيين، وما أخذه عن أهل العراق، وما حمله من الشام ومصر، وما استفاده من شيوخ خراسان، تكشف لنا كيف تكوَّن هذا المصنف العظيم، وكيف استطاع أن يجمع بين روايات متفرقة في أقاليم متباعدة داخل بناء واحد متماسك.
ومن هنا فإن الدفاع عن البخاري لا يكون بالثناء المجرد عليه، ولا بتكرار ما استقر في النفوس من تعظيمه، وإنما يكون بفهم مشروعه العلمي نفسه.
فكلما ازداد الباحث معرفة بمصادر الصحيح وموارده، ازداد يقينًا بأن هذا الكتاب لم يولد فجأة، ولم ينبت في فراغ، بل كان ثمرة رحلة طويلة في الرواية، ونتيجة اتصال واسع بأئمة الأمصار ومكتباتهم ومروياتهم.
ولعل من أنفع المشروعات العلمية في هذا الباب تتبع روايات «الجامع الصحيح» إلى ينابيعها الأولى، ورد أحاديثه وآثاره إلى الأصول التي تلقاها منها البخاري، لا على سبيل التخريج المجرد، بل على سبيل إعادة رسم الخريطة العلمية التي سبقته، والكشف عن العالم الذي تكوَّن فيه الصحيح قبل أن يصير كتابًا.
فإن الكتاب إذا قُرئ على هذا الوجه لم يعد مجرد مصنف في الحديث، بل غدا شاهدًا على حركة العلم والرواية في القرن الثالث الهجري. وهنا يتغير السؤال.
فبدل أن نسأل: كيف صنف البخاري صحيحه؟
يصبح السؤال: كيف تكوّن الصحيح قبل أن يكتبه البخاري؟
وحينئذ لا نكون أمام كتاب فحسب، بل أمام رحلة علمية طويلة، اشتركت في بنائها مدارس الأمصار، ومجالس الشيوخ، ومصنفات السابقين، ثم انتهت كلها إلى واحد من أعظم المصنفات في تاريخ الإسلام.
