هل كل مخطوط جدير بالتحقيق؟
(نسخة مختصرة)
أ. أبو شذا محمود بن عبد الفتَّاح النَّحال
الحمد لله وحده، وبعد:
فلا ريب أن وجود مخطوط غير محقق في أي علم من العلوم ليس أمرًا نادرًا، لكنّ قيمته الحقيقية لا تتوقف على كونه مفقودًا أو مجهولًا، بل ترتبط بعوامل جوهرية: مكانة المؤلف، وسياق عصره، وأثر الكتاب في تراث العلم الذي ينتمي إليه.
والعلوم بطبيعتها تميل إلى التركيز، والانتخاب، والاستقرار على نصوص بعينها، تُصبح عمدتها وأمات مصادرها.
وفي كل جيل يُهجر عدد من الكتب، ويُعتمد عدد آخر بحسب الحاجة العلمية والتداول العلمي.
- ففي علم الحديث تراجعت مؤلفات يحيى بن معين، والقطان، وابن مهدي، وابن المديني حتى ما نُقل عن الإمام أحمد، لصالح مصنفات الذهبي وابن حجر.
- وفي الفقه أُهملت تعليقات ابن سريج، وأبي الطيب، والقاضي حسين، وأبي يعلى، ليبرز في مقابلها ما ألفه ابن حجر الهيتمي، والرملي، والمرداوي، والفتوحي.
- أما علوم اللغة فقلّ الرجوع إلى "العين" لليث، وكتب الأزهري وابن دريد، وابن سيده وبرزت المختصرات الجامعة مثل "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس" للزبيدي، وغُيّبت كتب مركزية كـ"الغريب" لأبي عبيد، والقُتيبي، وأبي موسى، والهروي لصالح "النهاية" لابن الأثير.
وإذا تقرر ما سبق، فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمصادر طُمست أو حُجبت، لا لضعفها، بل لانحسار تداولها.
وقيمة أي مخطوط لا تُقاس بكونه مفقودًا أو نادرًا فقط، بل بدرجة الحاجة إليه، ومقدار الإضافة التي يحملها.
والموفق من رزق عينًا بصيرة تميز ما يُرجى منه نفع، وما طواه الإجماع العلمي عن استحقاق.
(أبو شذا).